تتميز منظومة «تشونغوانغ» (Cheongwang) بتكلفة تشغيل منخفضة للغاية لكل عملية إطلاق، ما يمنحها قدرة على مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة ويفتح أمامها فرصاً جديدة للتصدير، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالحركة وإمدادات الطاقة.
موقع الدفاع العربي – 1 نوفمبر 2026: قد يبدو إطلاق صاروخ اعتراضي تبلغ قيمته نحو مليون دولار لإسقاط طائرة مسيّرة لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات من الدولارات صفقة خاسرة من الناحية الاقتصادية. لكن كوريا الجنوبية تراهن على منظومة «تشونغوانغ»، وهي سلاح دفاع جوي يعمل بالليزر ودخل الخدمة بالفعل، لمعالجة هذه المعادلة، سواء في مواجهة الطائرات المسيّرة الكورية الشمالية أو باعتبارها منتجاً دفاعياً جديداً للأسواق الخارجية.
وتستطيع منظومات الاعتراض الصاروخية التقليدية، مثل «تشونغونغ-2» (Cheongung-II) الكورية الجنوبية و«باتريوت» الأمريكية، إسقاط الطائرات المسيّرة، غير أن استخدامها لمواجهة أعداد كبيرة من المسيّرات منخفضة التكلفة يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره خياراً غير قابل للاستمرار على المدى الطويل، خصوصاً في ظل الضغوط التي تعرضت لها مخزونات الصواريخ الاعتراضية نتيجة النزاعات العسكرية الأخيرة.
وطُوّرت منظومة «تشونغوانغ» بواسطة وكالة تطوير الدفاع الكورية الجنوبية (ADD)، وهي هيئة حكومية، فيما تتولى شركة «هانوا سيستمز» (Hanwha Systems) تصنيعها. وتبلغ تكلفة تشغيلها نحو 2000 وون كوري، أي ما يعادل 1.50 دولار تقريباً لكل عملية إطلاق، دون احتساب التكلفة الأولية لاقتناء المنظومة، مقارنة بتكلفة تقديرية تبلغ 1.5 مليار وون، أي نحو 1.1 مليون دولار، لكل عملية إطلاق لصاروخ «تشونغونغ-2».
وعلى غرار منظومة «الشعاع الحديدي» الإسرائيلية (Iron Beam) ومنظومة «لوكوست» (Locust) التابعة للجيش الأمريكي، تعتمد «تشونغوانغ» على إطلاق حزمة ليزر عالية الطاقة بدلاً من استخدام الذخائر التقليدية أو الصواريخ، ما يجعل الكهرباء المصدر الأساسي للطاقة اللازمة لتنفيذ عمليات الاشتباك.
وتخطط شركة «هانوا» لتركيب منظومة ليزر على مركباتها المدرعة بحلول عام 2027، في خطوة ستختبر مدى قدرة شركات الصناعات الدفاعية الكورية الجنوبية، المعروفة بقوتها في مجال الأسلحة التقليدية، على التكيف مع المتطلبات المتغيرة للحروب الحديثة.
الترويج للسلاح الليزري الكوري
تبلغ قدرة النسخة الأولى «بلوك-1» (Block-I) من منظومة «تشونغوانغ» نحو 20 كيلوواط، ما يضعها ضمن الفئة نفسها لمنظومة «لوكوست»، لكنها تظل أقل بكثير من منظومة «الشعاع الحديدي» الإسرائيلية التي تبلغ قدرتها نحو 100 كيلوواط.


ورغم انخفاض قدرتها مقارنة بالمنظومة الإسرائيلية، تتمثل إحدى أبرز نقاط قوة «تشونغوانغ» في دخولها الخدمة العسكرية مبكراً، وتحديداً في ديسمبر/كانون الأول 2024، في حين لم تصل منظومة «الشعاع الحديدي» بعد إلى مرحلة التشغيل الكامل، بينما لا تزال منظومة «لوكوست»، التي تصنعها شركة «إيروفايرونمنت» (AeroVironment)، في مرحلة الانتقال من النموذج الأولي إلى مرحلة التعاقد والإنتاج.
أما منظومة «هيليوس» (HELIOS) الأمريكية، وهي سلاح ليزري بحري موجه تبلغ قدرته نحو 60 كيلوواط، وتطوره شركة «لوكهيد مارتن»، فلا تزال مثبتة على مدمرة أمريكية واحدة فقط.
وحققت المنظومة الكورية الجنوبية عرضاً ناجحاً خلال تدريب للجيش في مدينة يانغبيونغ بإقليم غيونغي، يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول، حيث تمكنت من إسقاط الطائرات المسيّرة الثلاث التي أُطلقت لاختبار قدراتها.
وتأتي مثل هذه العروض العسكرية في إطار مساعي جذب اهتمام المشترين المحتملين في الأسواق الدولية.
وقال متحدث باسم شركة «هانوا سيستمز»: «إن الاهتمام بمنظومات الدفاع الجوي الليزرية يتزايد في الشرق الأوسط وأوروبا ومناطق أخرى».
وأضاف أن الشركة تسعى إلى توسيع حضورها في سوق الصناعات الدفاعية العالمية، مستندة إلى القدرات التي أثبتتها منظومة «تشونغوانغ بلوك-1» مؤخراً في اعتراض الطائرات المسيّرة، إلى جانب سلاحها الليزري بقدرة 30 كيلوواط، ومنظومة ليزرية بقدرة 50 كيلوواط تُركّب على المركبات، وتعمل الشركة على تطويرها داخلياً.
وتكتسب منظومات الدفاع المعتمدة على الليزر أهمية متزايدة في ظل التحول الكبير الذي أحدثته الطائرات المسيّرة في طبيعة الحروب الحديثة، بالتزامن مع تزايد الضغوط على مخزونات الصواريخ الاعتراضية المستخدمة للتصدي لها.
وقال لي هان-غيول، المحلل في شركة «كيوم للأوراق المالية»: «تستطيع الأسلحة الليزرية إطلاق النار بصورة متكررة طالما توفر مصدر للطاقة، دون استهلاك ذخائر اعتراضية، ما يجعلها مناسبة للغاية لمواجهة أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة».
ومع ذلك، ستظل زيادة القدرة على الحركة عاملاً أساسياً في تعزيز القدرة التنافسية للمنظومة، إذ إن النسخة الحالية من «تشونغوانغ» مصممة للعمل في موقع ثابت.
وقال يانغ سونغ-يون، المحلل في شركة «يوجين للاستثمار والأوراق المالية» (Eugene Investment & Securities)، إن الحكومة الكورية الجنوبية أدرجت تمويلاً لتطوير النسخة المتحركة الجديدة «Block-II» ضمن مشروع ميزانية عام 2027.
وفي سياق منفصل، كشفت الشركة في سبتمبر/أيلول عن نموذج أولي لمنظومة ليزرية بقدرة 50 كيلوواط مثبتة على مركبة مدرعة، وتستهدف بدء إنتاجها الكمي بحلول نهاية عام 2027.
وأوضح يانغ أن المنظومتين يُتوقع أن تؤديا مهمتين مختلفتين، إذ ستوفر النسخة «Block-II» المثبتة على شاحنة مساحة أكبر لاستيعاب معدات توليد الطاقة والتبريد، بما يسمح بتنفيذ عمليات إطلاق لفترات أطول، في حين ستُصمم المنظومة المثبتة على المركبات المدرعة لحماية وحدات المناورة القتالية في الخطوط الأمامية، مع مراعاة القيود المتعلقة بالمساحة المتاحة داخل المركبة.
ولدى كوريا الجنوبية سبب إضافي لتعزيز هذه القدرات، إذ شهد ديسمبر/كانون الأول 2022 اختراق خمسة طائرات مسيّرة كورية شمالية الحدود باتجاه الجنوب، وتمكنت إحداها من دخول منطقة حظر الطيران المحيطة بالمكتب الرئاسي في العاصمة سيول. وأطلق الجيش الكوري الجنوبي نحو 100 طلقة في محاولة لإسقاطها، لكنه لم يتمكن من إسقاط أي منها.
تصغير الحجم وتقليل الوزن
يمثل الحجم العقبة التالية أمام تطوير هذه الأسلحة، فالمنظومة الليزرية الثابتة لا تستطيع حماية سوى المنطقة التي تتمركز فيها. أما توفير الحماية للجنود والدبابات أثناء تحركها، فيتطلب تصغير حجم المنظومة وتقليل وزنها بما يسمح بتركيبها على المركبات العسكرية.
وقال تشوي غي-إيل، أستاذ الدراسات العسكرية في جامعة سانغجي: «إن جعل هذه المنظومات أصغر حجماً وأخف وزناً يمثل العامل الأساسي»، مضيفاً أن «هناك عقبات تقنية لا تزال قائمة، وتجري الأبحاث للتغلب عليها، لكن المشكلة تكمن في ضرورة تسريع هذه الجهود».
وفي الوقت الحالي، لا تتضمن خطط تطوير الدبابات الكورية الجنوبية تزويدها بأسلحة ليزرية. فمشروع تحديث دبابة القتال الرئيسية «K2»، الذي تبلغ تكلفته 3.5 تريليون وون كوري، والمقرر تنفيذه خلال الفترة من 2028 إلى 2046، يتضمن بدلاً من ذلك إضافة منظومة حماية نشطة تطلق شحنات صغيرة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة المهاجمة، إلى جانب جهاز للتشويش على إشارات التحكم بالطائرات المسيّرة.
ووفقاً لمصدر في قطاع الصناعات الدفاعية، لا تتضمن خطة التحديث الحالية إدماج أسلحة ليزرية. من جانبها، قالت شركة «هيونداي روتيم» (Hyundai Rotem)، المصنعة لدبابة K2، إن نوع منظومة الحماية التي ستُعتمد لم يُحسم بعد.
وتكمن صعوبة تصغير حجم الأسلحة الليزرية في عاملين رئيسيين: حاجتها إلى كميات كبيرة من الكهرباء، وضرورة زيادة قدرة المكوّن المسؤول عن توليد حزمة الليزر بشكل كبير، وفقاً لمستشار في قطاع الصناعات الدفاعية يعمل لدى أحد مكاتب المحاماة، وطلب عدم الكشف عن هويته.
وأوضح المستشار أن «الليزر يحوّل الكهرباء إلى ضوء، ولكي يتمكن من صهر الهدف أو تدميره، يجب تركيز كمية هائلة من الطاقة الكهربائية في لحظة واحدة»، مضيفاً أن «التحدي الأساسي يتمثل في كيفية توليد هذه الكهرباء وتوزيعها وتخزينها قبل إطلاق الشعاع الليزري».
وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من الحاوية الضخمة لمنظومة «تشونغوانغ» مخصص لمعدات توليد الطاقة وتخزينها.
أما التحدي الثاني فيتمثل في المذبذب (Oscillator)، وهو المكوّن المسؤول عن تحويل الطاقة الكهربائية إلى حزمة ليزرية.
وقال المستشار: «يتمثل السؤال في ما إذا كان بإمكاننا تطوير مذبذب قادر على إنتاج قدرة تبلغ 80 كيلوواط أو أكثر، بما يكفي لجعل السلاح فعالاً في الاستخدام العسكري».
وتوقع أن يستغرق الوصول إلى هذه القدرة نحو عشر سنوات، مضيفاً أن «بلوغ مستوى قدرة يقارب 100 كيلوواط سيتيح إسقاط الصواريخ».




