نقص السلاح الأمريكي … أزمة عميقة وحلول مستحيلة
دخلت الولايات المتحدة أزمة معقدة يصعب الخروج منها في المدى القريب والمتوسط، وتهدد هذه الأزمة ليس فقط طموح واشنطن في بقاء الهيمنة الأمريكية حتى نهاية القرن الحالي، بل تهدد استمرار النفوذ الأمريكي على الأصدقاء قبل الأعداء، بعد أن تأكدت معاناة وزارة الحرب الأمريكية من نقص غير مسبوق في مخزونات السلاح والذخيرة بما يهدد بفشل أي حملة عسكرية جديدة سواء على إيران أو كوبا، وهو ما دفع البيت الأبيض إلى اتخاذ ثلاث خطوات غير مسبوقة، وهي تأجيل تسليم 400 صاروخ “توماهوك” إلى اليابان، سبق لطوكيو التعاقد عليها منذ عام 2024، وسحب كل الصواريخ الشبحية من طراز “جاسم-إي آر” من كل القواعد الأمريكية في شرق وجنوب شرق آسيا، وجلبها إلى القواعد التي تعمل في نطاق القيادة المركزية التي تقع إيران ضمن عملياتها، وذلك بعد استهلاك نحو 1100 صاروخ من هذه الصواريخ خلال العملية العسكرية الأمريكية على إيران، والتي استمرت 39 يوماً، والخطوة الثالثة هي طلب قائد القيادة المركزية الأمريكية “سينتكوم”، الأدميرال براد كوبر، من وزارة الحرب تزويده لأول مرة بصواريخ “فرط صوتية” من طراز “دارك إيجل” لتعويض النقص الحاد في الصواريخ التي يملكها الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط، وهو ما يعني قرب نفاد ما لدى القوات الأمريكية من الصواريخ البالستية والمجنحة “الكروز” التي كان مداها يصل إلى كل الأراضي الإيرانية، وتأتي الاستعانة بالصواريخ “الفرط صوتية” لتؤكد من جديد نفاد الخيارات الأمريكية فيما يتعلق بالذخيرة والسلاح، وهو ما يضطرها إلى استخدام صاروخ غالي الثمن، وهو صاروخ “دارك إيجل” الذي جرى تصميمه من قبل للتعامل مع أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة لدى الصين وروسيا مثل “أس 500” الروسي أو “هونج تشي 19” الصيني، حيث تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد من طراز “دارك إيجل” نحو 15 مليون دولار، وهو الصاروخ الذي أنتجت منه شركة “لوكهيد مارتن” 8 صواريخ فقط، وتصل تكلفة كل بطارية من هذه المنظومة إلى نحو 2.7 مليار دولار.
ليس هذا فقط، فقد أكدت كل الإحصائيات التي تناقشها الآن لجنة القوات المسلحة في الكونجرس الأمريكي نفاد 50% من المخزونات الأمريكية من صواريخ “ثاد” خلال حرب الـ12 يوماً على إيران التي بدأت يوم 13 يونيو (حزيران) الماضي، حيث جرى إطلاق 150 صاروخ “ثاد” لحماية إسرائيل، وهي كمية تساوي 25% من كل صواريخ “ثاد” التي تعاقد عليها البنتاجون منذ عام 2010، وهو ما يستحيل معه عملياً تعويض هذه الكمية في المدى القصير، بعد أن تم إطلاق ما يقرب من 25% من تلك المخزونات خلال الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي على إيران، وبسبب الحرب على ثلاث جبهات هي أوكرانيا وغزة وإيران، خسرت الولايات المتحدة نحو 55% من صواريخ “باتريوت”، وجاءت هذه الأزمة بعد تجريف مخزونات السلاح لدى حلفائها الأوروبيين والآسيويين، الذين هم أعضاء في تحالف “الخمسين” الداعم لأوكرانيا، ففي الشهور العشرة الأولى من الحرب في أوكرانيا نفدت مخزونات السلاح لدى 20 دولة من دول حلف شمال الأطلسي “الناتو”، حيث تستهلك أوكرانيا نحو 250 ألف قذيفة شهرياً، وهو ما يعادل استهلاك حلف “الناتو” لمدة ستة شهور كاملة في ذروة العمليات العسكرية في كل من أفغانستان والعراق… فما هي أبعاد أزمة السلاح والذخيرة لدى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين؟ وهل توجد “حلول عاجلة” لحل هذه الأزمة أم أن تخصيص أكثر من تريليون دولار للميزانية الدفاعية الأمريكية في العام القادم لن يحل هذه الأزمة؟
مخزونات الخطوط الحمراء
ربما النقص الحاد في مخزونات السلاح والذخيرة هو السبب الرئيسي في عدم الرغبة الأمريكية في دخول “حرب مفتوحة” مع إيران، حيث تؤكد كل التقديرات أنه في حال عودة واشنطن لقصف إيران من جديد، سوف تكون عملية محدودة وقصيرة لتحريك مياه المفاوضات، بعد أن تأكد لساكن البيت الأبيض أن ما لدى الجيش الأمريكي من صواريخ “توماهوك” يمكن أن ينفد خلال أسبوعين، وحتى صواريخ “بريسيجن سترايك” التي كان يمكن التعويل عليها تم استهلاك أكثر من 60% منها، وفي يناير (كانون الثاني) الماضي أوقفت الولايات المتحدة شحنة ذخيرة إلى أوكرانيا بعد أن وصل المخزون من تلك الذخيرة إلى تحت “الخطوط الحمراء” للمخزونات، وتعود هذه الأزمة إلى مجموعة من العوامل، ومنها:
أولاً – الاستهلاك مقابل الإنتاج
لا تزال قدرة “المتعهدين الكبار” الثمانية على تصنيع السلاح والذخيرة أقل بكثير جداً إذا ما تمت مقارنتها بالاستهلاك وطلبيات الحلفاء، وخصوصاً الأوروبيين واليابان، فهناك طلبيات من طائرات “إف 35” تزيد على 500 طائرة للدول الأوروبية فقط، ورغم حاجة الولايات المتحدة لتصنيع نحو 100 ألف قذيفة شهرياً من طراز 155 مم، إلا أن الشركات الثمانية الكبار، وهم “لوكهيد مارتن”، و”آر تي إكس”، و”بوينج”، و”نورثروب جرومان”، و”جنرال داينمكس”، و”ليدوس”، و”هاريس تكنولوجي”، و”هنتنجتون إنجلس”، ينتجون فقط نحو 45 ألف قذيفة من طراز 155 مم شهرياً، ناهيك عن التدهور الحاد في مخزونات القنابل التي يتم توجيهها بنظام “جي بي إس”، ولا يمكن تعويض إلا 10% فقط منها سنوياً.
ثانياً – سلاسل الإنتاج
إنتاج صواريخ مثل “جافلن” المضادة للدروع أو صواريخ “ستينجر” المضادة للطائرات يحتاج إلى سلاسل إمداد طويلة وكثيفة تأتي من 16 ولاية أمريكية، ومواد خام تأتي من 12 دولة من خارج الولايات المتحدة، وهو ما يشكل صعوبة بالغة في تعويض المخزونات التي تم استهلاكها في أوكرانيا وغزة وإيران، حيث تعاني الولايات المتحدة من نقص حاد في مادة “النيتروسليلوز” الذي يستخدم في تصنيع البارود، ويتزامن كل ذلك مع تراجع القاعدة الصناعية العسكرية التي كانت تشكل 16% من الصناعات الأمريكية زمن الحرب الباردة إلى 10% فقط قبل الحرب في أوكرانيا.
ثالثاً – حلف “الناتو“
نتيجة للحرب في أوكرانيا، والتحول الهائل في ميزانيات الدفاع الأوروبية والأطلسية، زادت مشتريات الحلفاء الأطلسيين من السلاح والذخيرة الأمريكية، وفي العام الجاري هناك طلبيات سلاح من دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” تصل إلى 145 مليار دولار، وهو ما يشكل ضغطاً غير مسبوق على قاعدة التصنيع العسكري الأمريكي، وفي عام 2025 وصل الإنفاق العسكري الأوروبي وكندا إلى 575 مليار دولار، يذهب جزء من تلك النفقات لشراء أسلحة وذخيرة أمريكية، حيث تمثل واردات الدول الأوروبية من السلاح الأمريكي نحو 58% من وارداتها العسكرية، وسبق للولايات المتحدة أن صدرت أسلحة وذخيرة عام 2024 بنحو 319 مليار دولار، وهو رقم قياسي يمكن تجاوزه في مبيعات العام الجاري والعام القادم وفق حسابات لجنة القوات المسلحة في الكونجرس.
رابعاً – أرباح السلام
منذ تفكيك الاتحاد السوفيتي السابق ساد ما يسمى “بأرباح السلام” في إنتاج السلاح والذخيرة، وهو إنتاج الحد الأدنى من السلاح والذخيرة، وكان معدل الإنفاق العسكري لدى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا و”الناتو” لا يزيد على 1.1% من الناتج القومي حتى نهاية ولاية جورج بوش الثانية، حيث كانت الدول الأوروبية تركز على النمو والازدهار والرفاهية وليس تصنيع السلاح، وحتى عام 2020 كانت مخزونات السلاح لدى ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لا تكفي أكثر من أسبوعين.
خامساً – حروب هجينة وتقليدية أيضاً
رغم أن نمط الحروب الهجينة هو السائد اليوم في حروب مثل الحرب في أوكرانيا وإيران وغزة، إلا أن الحرب في أوكرانيا تماثل في استهلاكها للذخيرة والأسلحة ما كان يتم استهلاكه في “الحروب التقليدية” التي كانت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، عبر استهلاك أرقام فلكية من دبابات “ليوبارد” الألمانية و”أبرامز” ومدرعات “برادلي” الأمريكية، ودبابات “تشالنجر” البريطانية، وهو ما خلق فجوة غير مسبوقة في “ألوية المدرعات” الأوروبية، خصوصاً في دول مثل بولندا التي اضطرت لشراء أكثر من 1000 دبابة من كوريا الجنوبية.
سادساً – العمالة العسكرية
نظراً للتطور الكبير في تكنولوجيا الأسلحة، وارتباط ذلك بالذكاء الصناعي، وتطور ساحات الحرب التي باتت تربط بين الأسلحة التقليدية والأقمار الصناعية، فإن مصانع تلك الأسلحة تحتاج إلى “عمالة عسكرية” من نوع وتدريب خاص، وبعد نهاية الحرب الباردة فقدت المصانع الأمريكية والأوروبية “العمالة العسكرية الماهرة” من عمال وفنيين ومهندسين، ويحتاج تأهيل جيل جديد من هذه العمالة إلى وقت وتدريب ومخصصات مالية باهظة، كما أن التوسع في خطوط الإنتاج العسكرية يحتاج إلى أعداد كبيرة من هذه العمالة الماهرة، وهي قضية تؤرق كل شركات التصنيع العسكري في أوروبا والولايات المتحدة.
سابعاً – اقتصاد الحرب
تشير كل التقديرات الأمريكية والأوروبية إلى نوع من الاستجابة المتأخرة في الدخول إلى اقتصاد الحرب بعد 2022، فكثير من الدول الأطلسية ترددت في تخصيص ميزانيات ضخمة لبناء مصانع للسلاح والذخيرة، واكتفى البعض بإعادة هيكلة مصانع السلاح التي كانت تعمل منذ زمن الاتحاد السوفيتي السابق في الدول السوفيتية السابقة في شرق أوروبا مثل بولندا ودول بحر البلطيق الثلاثة، وهو ما جعل مصانع السلاح الأمريكية تتحمل عبء توفير السلاح والذخيرة لكل الدول الأوروبية بعد نشوب الحرب في أوكرانيا، ولهذا تشجع واشنطن حلفاءها الأوروبيين على مزيد من الاستثمار في تصنيع السلاح والذخيرة، حيث خصص الاتحاد الأوروبي نحو 800 مليار يورو لتشجيع صناعات الأسلحة والذخيرة في دول الاتحاد الأوروبي.
عقلية الحرب
دعا مجلس الأمن القومي الأمريكي ولجان المخابرات والقوات المسلحة الأمريكية إلى التحول في الصناعات العسكرية من “عقلية السلم” التي سادت خلال العقد الماضي إلى “عقلية الحرب” لسد الفجوة الواسعة بين الاستهلاك والإنتاج في السلاح والذخيرة، وذلك عبر تخصيص أكثر من 55 مليار دولار لتصنيع ما يسمى “بالذخيرة الحرجة” التي فيها نقص حاد، وزيادة المخصصات التي تتعلق بإنتاج منظومات الدفاع الجوي والصواريخ التي تعمل بها، وذلك بهدف زيادة الإنتاج من صواريخ “باتريوت” من 600 صاروخ سنوياً إلى 2000 صاروخ، ومن 96 وحدة منظومات “ثاد” إلى 400 سنوياً، ناهيك عن بناء مصانع داعمة للإنتاج العسكري مثل افتتاح مصنع كانساس في أبريل (نيسان) 2026 بهدف المساعدة في التجميع وتعبئة الصواريخ، ولأول مرة يستخدم البيت الأبيض “العصا” مع شركات تصنيع السلاح والذخيرة حال التأخر في تسليم العقود المتفق عليها، مقابل منح البيت الأبيض هذه الشركات لأول مرة عقوداً طويلة تمتد إلى 2032 و2035، وتستعد الولايات المتحدة في العام القادم لتحول استراتيجي في صناعة السلاح والذخيرة يقوم على الانتقال من الاعتماد الكامل على الأسلحة باهظة الثمن إلى “الإنتاج الكمي الهائل” للمسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي الرخيصة، منها برنامج “سيادة المسيّرات” (Drone Dominance) الذي يهدف إلى تصنيع نحو 250 ألف طائرة مسيّرة سنوياً، وذلك بالتعاون – لأول مرة – مع 25 شركة ناشئة، وتشجع شركاءها الأوروبيين والآسيويين، خاصة اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين وفيتنام، على مزيد من تصنيع السلاح، بالإضافة إلى تشجيع حلفاء واشنطن على التحول إلى “نمط الدفاع غير المتماثل” في تايوان على سبيل المثال، لتتحول تايوان إلى “قنفذ” يصعب ابتلاعه، بدلاً من استراتيجية الحرب المتماثلة التي تستهلك كميات كبيرة من السلاح والذخيرة، وكل ذلك بالتزامن مع إطلاق “القبة الذهبية”، وهو المشروع الاستراتيجي لحماية الأراضي الأمريكية عبر عدة طبقات من الدفاع الجوي والدفاع من الفضاء والدفاع بالليزر.
كل التقديرات التي تستند إلى التكنولوجيا المعقدة لهذه الأسلحة والذخيرة، وتشابك سلاسل الإمداد الخاصة بالأسلحة والذخيرة، تؤكد استحالة تعويض هذه المخزونات والعودة من جديد لمستويات ما قبل الحرب الروسية الأوكرانية، وأن الشركات الثمانية الكبرى لتصنيع السلاح في الولايات المتحدة تحتاج لنحو خمس سنوات على الأقل لتعويض 50% من هذه الأسلحة والذخيرة التي جرى استهلاكها في أوكرانيا وغزة وإيران.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-05-03 18:53:00
الكاتب: أيمن سمير
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-03 18:53:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
