عاجل #عاجل سوريا: مصادر محلية: دورية تابعة للاحتلال الإسرائيلي تتوغل في محيط قرية معرية بريف درعا الغربي وتطلق النار تجاه منازل المدنيين...
اخبار لبنان

الوعي المضاد: تفكيك شيفرة التضليل – قناة المنار

للنجاة من أي حرب، يجب على كل واحد منا أن يمتلك الحد الأدنى من التقنيات اللازمة التي تخوله البقاء على قيد الحياة ومواجهة ويلاتها. ولكن كما هو معلوم فإن الحرب التي تُخاض على الجبهة ليست الحرب الوحيدة التي نخوضها في عصرنا الحاضر؛ فهناك أيضاً حرب أخرى تُدار ضدنا، بالتوازي مع الحرب العسكرية ألا وهي حرب التضليل الإعلامي. ومن هنا، ومن أجل النجاة من هذه الحرب أيضاً، يجب أن نمتلك أدوات الوعي المضاد لها، ونتعلم كيفية تفكيك الشيفرة التي تقوم عليها.

فكيف يمكن بناء هذا الوعي المضاد؟ وما الأدوات التي تمكّننا من تفكيك الشيفرة؟

في البداية، هناك نقطتان أساسيتان يجب المرور عبرهما لنصل إلى آليات المواجهة التي تمكننا من إنجاح عمليتنا وهما:

أولاً: كيف يعمل التضليل؟

•هندسة المشاعر: هناك قاعدة بيولوجية عامة تقول: “العاطفة المشحونة تضعف قدرة العقل على التحليل النقدي والتدقيق في المعلومات”. فعندما يقع الإنسان تحت تأثير حدث جارف (من قبيل المجازر التي كانت تحصل بحق المدنيين في الجنوب اللبناني)، يتوقف الدماغ فوراً عن التدقيق والمساءلة، ويصبح جاهزاً لتبني أي رواية تُقدّم له؛ مثل الروايات التي كانت تُشاع خلال الحرب بأن “إسرائيل لا تضرب أي مكانٍ عبثاً، ولا بد من وجودٍ للمقاومة في هذا المبنى فلذلك تم استهدافه من قِبلها”. ويكون العدو بذلك قد قدّم الرواية المضللة الجاهزة لتفريغ الشحنة العاطفية لدى المواطن، وتوجيه بوصلة غضبه نحو بيئته الحاضنة بدلاً من القاتل الحقيقي. وإذا تمثل هندسة المشاعر التكتيك النفسي المباشر للتضليل فإن الحرب الإدراكية هي المظلة الاستراتيجية الشاملة التي تُوظَّف داخلها هذه الأساليب بصورة منهجية.

  • الحرب الإدراكية (عندما يصبح الهاتف سلاحاً): إن التضليل الحديث لم يعد مجرد أخبار كاذبة تُبث عشوائياً، بل تحوّل إلى ما يُعرف بـ “الحرب الإدراكية “وكان اول من أخرج مصطلح “الحرب الإدراكية” بشكلها المعاصر كأداة هجومية تدمج التكنولوجيا الفائقة (الذكاء الاصطناعي، وسائل التواصل، الهندسة الاجتماعية، والعلوم العصبية) هم باحثون ومستشارون عسكريون لحساب حلف شمال الأطلسي (NATO). وفي هذا الصراع، يُستهدف نظام التشغيل في عقلك مباشرة؛ حيث تستخدم الماكينات الموجّهة خوارزميات الذكاء الاصطناعي للبحث عن نقاط الضعف النفسية، والثغرات الفكرية، والمخاوف داخل المجتمع. وبناءً على ذلك، يُصمَّم محتوى مخصص وموجّه لكل شريحة اجتماعية، سواء كانت من النخب أو الشباب أو العائلات، بهدف ضرب الإجماع، وزرع الفتنة، وتفكيك الجبهة الداخلية.

ولعلّ أحد الأمثلة العملية على ذلك ما شهده لبنان خلال المعركة الأخيرة، حين تلقّى عدد كبير من النازحين والمواطنين اتصالات ورسائل نصية من العدو الإسرائيلي على هواتفهم المحمولة، تضمّنت تهديدات مباشرة أو رسائل نفسية هدفت إلى بثّ الخوف والذعر والتأثير في سلوك الأفراد ومواقفهم. وهنا لم يكن الهاتف مجرد وسيلة تواصل، بل تحوّل إلى قناة تُستخدم للوصول إلى عقل المتلقي والتأثير في إدراكه وقراراته. وبذلك يتحول الهاتف الذكي في يد المتلقي ـ من حيث لا يشعر ـ الى أداةً يستعملها العدو للتأثير في إرادته وتوجيه قناعاته، وهو ما يشكل جوهر الحرب الإدراكية الحديثة.

وبما أن التضليل معركة منظمة تُدار بآليات مدروسة، فإن “الوعي المضاد” -بوصفه درعاً داخلياً – يجب أن يتجسد في آليات عمل، لا أن يظل مجرد أمنيات أو نوايا طيبة. وهذه الآليات هي مجموعة من الأدوات والتقنيات العقلية والسلوكية التي تشكل معاً “مصل الحصانة” لحماية العقل من الاختراق، واستعادة السيادة الفكرية الحرة للعقل البشري. ومن المهم الإشارة إلى أن التضليل لا يرتبط بجهة واحدة أو طرف محدد؛ فهو ظاهرة يمكن أن تصدر عن دول، أو وسائل إعلام، أو جماعات سياسية، أو حتى أفراد يسعون إلى التأثير في الرأي العام لأهداف مختلفة. لذلك فإن الوعي المضاد لا يقوم على قبول رواية ورفض أخرى بصورة تلقائية، بل على إخضاع جميع الروايات للفحص والتدقيق والبحث عن الأدلة والسياقات التي تساعد على تمييز الحقيقة من الزيف.

ثانياً: أدوات الوعي المضاد

  1. الهدنة الفكرية (العاطفة تهدأ والعقل يستعيد سيطرته): يعتمد التضليل بالدرجة الأولى على السرعة والأخبار العاجلة المشحونة؛ ليبقى العقل مشغولاً وفي حالة تأهب عاطفي دائم. لذلك، عند التعرض لأي خبر صادم أو مؤلم، يجب فرض هدنة فكرية فورية، وعدم التسرع بإعادة النشر لعدة ساعات؛ فمتى ما هدأ المنسوب العاطفي، أتاح ذلك للمعالجات والمراكز التحليلية في الدماغ أن تعمل للتأكد من صحة هذا الخبر أو زيفه ومدى جدوى إشاعته من عدمها.
  2. تفكيك الخلفيات والقراءة بين السطور (لا خبر بلا سياق): عند تلقيك أي خبر كان، فإن السؤال البديهي الذي يُطرح في البداية هو: “هل هذا صحيح؟”، ولكن هل غصت قبلاً في خلفيات الخبر؟ من مصدره؟ كيف كان سياقه؟ مَن الجهة التي تقف خلفه؟ ومَن المستفيد منه ولمصلحة مَن؟ لا يمكن لخبر واحد أن يكون جزيرة معزولة مفصولة عن سياق أخبار أخرى، لذا يجب عليك إعادة ترتيب الخبر ضمن سياقه العام لكي ترى الصورة مكتملة أمامك.
  3. الفلترة والمواجهة الإيجابية (الانسحاب المؤقت حصانة دائمة): في عصر الإغراق المعلوماتي، يصبح الصخب المتواصل أداة لإنهاك الأعصاب وتشتيت الانتباه عن القضايا المصيرية التي يجب أن تكون في صلب أولوياتنا لا أن نشرد عنها. من هنا، يجب أن نمتلك الشجاعة للانقطاع -ولو قليلاً- عن تدفق التحليلات، وأخذ فترة من السكينة الفكرية؛ لإنعاش الفكر النقدي. ولكن الحصانة لا تقف عند حدود الانكفاء، بل تتطلب تحوّل القارئ الواعي من مستهلك ذكي إلى “حارس بوابة” يساهم بنشاط في نشر الرواية الحقيقية، وتثبيت الحقائق، ومحاصرة الزيف لحماية محيطه ومجتمعه.
  4. التركيز على المعركة الأساسية (من يضيع البوصلة يخسر المعركة): هناك معارك يومية مصطنعة وسخيفة تدور على مواقع التواصل الاجتماعي وخلف الشاشات، وهي كلها مركبة ومصطنعة غايتها الهاء المتلقي عن المعركة الأساسية. لذلك، فإن المعركة الأم هي مع هذا العدو، وكل ما عدا ذلك هو معارك وهمية لا طائل منها.

إن الوعي المضاد ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية في زمنٍ أصبحت فيه العقول ساحةً للحروب. فكل محاولة لفهم آليات التضليل وتفكيك شيفرته هي خطوة نحو استعادة السيادة على الوعي. وعندما نمتلك هذه القدرة، نمنع العدو من تحويلنا إلى وقودٍ في معاركه، أو أسرى لرواياته، أو أدواتٍ في مشاريعه. هنا تحديداً، نملك زمام المعركة ونفرض شروطنا الفكرية في مواجهة العدو. فالوعي الصلب ليس مجرد جدار حماية، بل هو حاضنة الصمود الأولى، والحقيقة لا تنتصر من تلقاء نفسها بل تحتاج دائماً الى عقول يقظة.

والخلاصة: من مَلك وعيَه… مَلك نجاته

المصدر: موقع المنار



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.almanar.com.lb

تاريخ النشر: 2026-06-29 23:06:00

الكاتب: أحمد فرحات

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.almanar.com.lb
بتاريخ: 2026-06-29 23:06:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *