كيف، ولماذا يهتز نظامنا العالمي الجديد؟!
«إلى أي مدى يجب أن نكون واعين حتى نُقدِّر اللاعقلاني الذي يحيط بنا من كل جانب»، يوجين ثاكر. «النظام العالمي الجديد»، مصطلح يصف الهيكلة السياسية والاقتصادية للعلاقات الدولية. تاريخياً، ظهر هذا المفهوم في نهايات الحرب الباردة، ويشير اليوم إلى التحوُّلات الجيوسياسية الراهنة والانتقال نحو «عالم متعدِّد الأقطاب»، مع تزايد تأثير القوى الصاعدة في آسيا والشرق الأوسط.
يُفهم المصطلح في سياقَين رئيسيَّين:
– السياسي الواقعي: تراجع القطبية الأحادية، الانتقال من الهيمنة المنفردة للولايات المتحدة إلى نظام تتوزَّع فيه مراكز القوى، صعود قوى جديدة، بروز دور الصين، الهند، والتحالفات الإقليمية في إعادة صياغة خريطة التجارة والسياسة الدولية، إعادة تشكيل التكتلات الاقتصادية والأمنية، إذ تسعى دول «الجنوب العالمي» للعب دور مستقل يرفض ازدواجية المعايير.
– نظرية المؤامرة (حكومة العالم الخفية): يشير المصطلح شعبياً إلى افتراضات بوجود نُخَب مالية وسياسية سرّية تخطِّط للسيطرة على العالم. يربط البعض هذا النظام بالتوجُّه نحو إلغاء الهويات الوطنية والسيادة لصالح حكومة مركزية عالمية، والتحكّم في الاقتصاد العالمي وحركة الشعوب.
الجو العام الذي ساد منتدى دافوس الاقتصادي أخيراً كان خير تجسيد لذلك، إذ انتقل القلق من أروقة الاجتماعات إلى الواجهة، متأثراً بصورة مباشرة بالخطاب السياسي الأميركي وترجمته العملية على الأرض. فمنذ بداية ولايته الثانية، اعتمد الرئيس دونالد ترامب مقاربة تقوم على «استثمار القوّة» لتحقيق مصالح بلاده في مختلف أنحاء العالم، وتعظيم الاستفادة من عناصر التفوُّق على الخصوم والحلفاء والأصدقاء على حدٍّ سواء، من دون تردُّد. فلوَّح بفرض الرسوم الجمركية على الحلفاء، وانسحب من منظمات ومعاهدات واتفاقات دولية، انطلاقاً من قناعته بأنّ مبادئها وآلياتها لم تعُد تنسجم مع الأهداف الاستراتيجية التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها. وإلى جانب ذلك، اتخذ سلسلة من المواقف والإجراءات التي قد تبدو للوهلة الأولى صادمة، لكنّها تصبح أكثر قابلية للفهم عند النظر إليها في سياق ملامح النظام العالمي الجديد.
وفي مثال على ردود الفعل التي يفرضها هذا الواقع، سارع الاتحاد الأوروبي والهند إلى تجاوز عقبات عطّلت المفاوضات بينهما لأكثر من 20 عاماً، تمهيداً لإبرام اتفاق تجاري ضخم، بين اثنَين من أكبر أسواق العالم، سعياً إلى توفير قدر أكبر من الاستقرار، بعدما طالت الجانبَين تداعيات الرسوم الجمركية الأميركية.
وسلّطت تصريحات القيادتَين الهندية والأوروبية الضوء على المشهد الجيوسياسي الأوسع الذي يحيط بهذا الاتفاق، ويُفترَض استكمال صيغته النهائية خلال الأشهر القليلة المقبلة. واعتبرت رئيسة المفوَّضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «إنّها حكاية عملاقَين، ثاني ورابع أكبر اقتصادَين في العالم. عملاقان اختارا شراكة تقوم على تحقيق المكاسب المتبادلة. إنّها رسالة قوية مفادها أنّ التعاون هو أفضل ردّ على التحدِّيات العالمية».
«التمرُّد»
تقوم الفكرة المركزية لكتاب «التمرّد: كيف يهتز نظامنا العالمي» للسياسي البلجيكي بيتر ميرتنز، على أنّ العالم يشهد اليوم ما يصفه بـ«التمرُّد المزدوج».
التمرُّد الأول هو تمرُّد من أعلى أو ما يسمّيه تمرُّد الجنوب الجيوسياسي، إذ لم تعُد حكومات ونخب دول الجنوب العالمي مستعدة للانصياع للهيمنة الغربية. فدول مثل الصين والهند والبرازيل، باتت تنتهج سياسات مستقلة، وتطالب بأن تُعامَل كشركاء متساوين، وهو ما عبّر عنه مسؤول أوروبي رفيع بقوله مستغرباً: «يبدو أنّهم يريدون أن يُنظر إليهم كشركاء متساوين».
أمّا التمرّد الثاني فهو تمرُّد من أسفل، أو تمرُّد الطبقات الشعبية، إذ لم تعُد شعوب الجنوب مستعدّة للخضوع للقمع داخل بلدانها. ويورد ميرتنز أمثلة على ذلك، منها حركة العمال المعدمين في البرازيل (MST)، ورابطة النساء الديمقراطيات في الهند (AIDWA)، اللتان تناضلان من أجل العدالة والتحرُّر.
بالتوازي، يرى ميرتنز أنّ الشمال يشهد بدوره موجة من التمرُّد الشعبي. ففي بريطانيا اندلعت أكبر موجة إضرابات عمالية منذ عقود، نتيجة اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بينما خرج نحو 3 ملايين شخص إلى شوارع فرنسا احتجاجاً على إصلاحات نظام التقاعد، في وقت كانت فيه شركات الطاقة تحقق أرباحاً قياسية.
ويعتبر ميرتنز، أنّ هذه الحركات مترابطة، إذ يجمعها خصم واحد يتمثل في الشركات العالمية العملاقة، التي تعمل بعيداً من الرقابة وتتمركز في الملاذات الضريبية. ومن هنا، يرى أنّ توحيد تمرُّد الشمال مع تمرُّد الجنوب من شأنه أن «يدفع العالم نحو مسار أكثر ديمقراطية وعدالة اجتماعية واستدامة بيئية».
صدر الكتاب عام 2024، في مرحلة مفصلية من تاريخ النظام الدولي، فيناقش التحوُّلات العميقة التي يشهدها العالم. وقد استعار ميرتنز مصطلح «التمرُّد» من توصيف استخدمته فيونا هيل، العضو السابقة في مجلس الأمن القومي الأميركي، لوصف تزايد استقلالية دول الجنوب العالمي عن السياسات الغربية. إلّا أنّه، بدلاً من اعتباره وصفاً سلبياً، يتبنّاه كشعار، قائلاً: «إذا كان هذا تمرُّداً، فلنحتضنه».
ويتميّز ميرتنز بأنّه ليس مجرّد كاتب أو أكاديمي، بل سياسي وناشط، قاد حزب العمال البلجيكي خلال مرحلة شهد فيها الحزب صعوداً غير مسبوق بين عامَي 2008 و2021، ما يضفي على كتابه بُعداً عملياً ونضالياً، نابعاً من تجربة سياسية مباشرة، لا من تنظير أكاديمي مجرّد.
ويطرح المؤلف سؤالاً محورياً: لماذا يشهد العالم هذا التصاعد في حالة «التمرُّد»؟ ويُجيب بأنّ النظام الدولي القائم على الهيمنة الغربية يمرّ بمرحلة أفول، فيما تثور شعوب الشمال والجنوب معاً ضدّ نمط واحد من الاستغلال، تمارسه الشركات العالمية متعدِّدة الجنسيات. أخبارسياسة
5 محطات تاريخية فاصلة زعزعت الثقة بالهيمنة الغربية
حرب العراق عام 2003: عندما شنّت الولايات المتحدة وحلفاؤها حرباً وصفها بأنّها غير قانونية، منتهكةً القانون الدولي، قبل أن تعجز لاحقاً عن توفير ظروف معيشية مقبولة للعراقيّين.
الأزمة المالية العالمية عام 2008: التي هزّت مصداقية المؤسسات المالية التي تقودها الولايات المتحدة، وكشفت هشاشة النظام الرأسمالي.
قمة كوبنهاغن للمناخ عام 2009: التي اعتبر أنّها أظهرت اكتفاء الغرب بالخطابات تجاه مخاوف دول الجنوب من التغيُّر المناخي، من دون اتخاذ إجراءات فعلية.
جائحة كورونا عام 2020: إذ رأى أنّ الدول الغربية أولت حماية براءات اختراع شركات الأدوية الأولوية، على حساب إتاحة اللقاحات لدول الجنوب، في وقت كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يخزِّنان كمّيات كبيرة منها.
الحرب على غزة: التي يعتبر أنّها عمّقت لدى دول الجنوب الشعور بازدواجية المعايير الغربية في تطبيق مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي.
ويرى ميرتنز، أنّ تراكم هذه المحطات التاريخية جعل التعاون مع الغرب أقل جاذبية بالنسبة إلى دول الجنوب. ويكمن المغزى الأساسي للكتاب في إعادة تعريف الصراع العالمي، فلا يُنظر إليه بوصفه صراع حضارات أو أيديولوجيات، بل باعتباره صراعاً بين أقلية تملك الثروة والسلطة، وغالبية تعاني الاستغلال، بصرف النظر عن موقعها الجغرافي.
3 دروس رئيسية
– التمرُّد» ليس وصفاً سلبياً، بل تعبير عن نضال دول الجنوب من أجل السيادة والكرامة والمساواة، وهي قيم تستحق الدفاع عنها.
– العمال في الشمال والجنوب يواجهون المنطق الاقتصادي نفسه، القائم على تعظيم الأرباح، وإن كانت آثاره أكثر قسوة في بلدان الجنوب. فالعامل البريطاني الذي يخشى على معاشه التقاعدي، والعامل البنغالي الذي يعمل في مصنع نسيج بأجر متدنٍ، يواجهان الخصم ذاته: الشركات العالمية الساعية إلى خفض التكاليف وتعظيم الأرباح.
– الأمل ليس ضرباً من السذاجة، بل ضرورة استراتيجية. فمن دونه لا يمكن بناء حركات اجتماعية قادرة على التغيير. ويذكّر ميرتنز بأنّ التاريخ يتحرَّك في موجات، وأنّ هدوء البحر لا يعني أنّه فقد قدرته على إحداث التغيير. سياسة
نشر لأول مرة على: lebanoneconomy.net
تاريخ النشر: 2026-07-04 10:15:00
الكاتب: hanay shamout
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
lebanoneconomy.net
بتاريخ: 2026-07-04 10:15:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
