وتعززت هذه المخاوف بعدما قرر ترمب، بصورة مفاجئة الأسبوع الماضي، تقليص تدريبات عسكرية مع كوريا الجنوبية، واصفا إياها بأنها معادية لبيونغ يانغ. ويرى مسؤولون وخبراء أمن أن القرار أضاف مزيدا من عدم اليقين إلى تحالفات أسهمت لعقود في تشكيل التوازن الأمني في آسيا.
وامتدت أصداء الخطوة سريعا إلى ما وراء شبه الجزيرة الكورية؛ فاليابان تستعد لمفاوضات حساسة بشأن كلفة استضافة القوات الأمريكية، وتايوان تراقب بحذر القمة المرتقبة بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ، في حين تتزايد شكوك الهند بشأن موقعها في الحسابات الإستراتيجية لواشنطن.
ووصف جيريمي تشان، المحلل الكبير في مجموعة يوراسيا والدبلوماسي الأمريكي السابق في اليابان والصين، القرار بأنه عامل سيؤجج “الشكوك المتزايدة في المنطقة بشأن التزامات الولايات المتحدة الأمنية”.
وزاد القلق بعدما أعلنت سول، الاثنين، أن الولايات المتحدة ألغت تدريبات عسكرية أخرى مع كوريا الجنوبية كانت مقررة الشهر المقبل، بعد أن أشارت واشنطن إلى محدودية القوات المتاحة بسبب حرب إيران.
وفي المقابل، قال مسؤول في البيت الأبيض إن ترمب يشعر بالإحباط من إحجام حلفاء الولايات المتحدة عن دعم حربه على إيران، وإنه أوضح أن على كثير منهم زيادة إنفاقهم الدفاعي، مؤكدا في الوقت نفسه استمرار التزام واشنطن بالتعاون مع سول.
وبحسب مصدر مطلع على المناقشات الأمريكية الكورية الجنوبية، يتطلع ترمب إلى استئناف المحادثات مع كوريا الشمالية وتحقيق إنجاز دولي، بينما يواجه ضغوطا داخلية بسبب حرب إيران التي يعارضها معظم الأمريكيين.
“قلق بالغ” لدى طوكيو
في اليابان، لا يُنظر إلى تقارب محتمل بين ترمب وكيم من زاوية فرص الحوار وحدها. فقد حذر وزير الدفاع السابق والنائب البارز إتسونوري أونوديرا من أن هذه المساعي، التي لم تلق حتى الآن استجابة حماسية من بيونغ يانغ، قد تأتي بنتائج عكسية وتشجع كوريا الشمالية المسلحة نوويا على مزيد من التصعيد.
ووصف أونوديرا هذا الاحتمال بأنه “مصدر قلق بالغ” لطوكيو. وفي اليوم نفسه، أطلقت كوريا الشمالية سلسلة صواريخ باليستية قبالة ساحلها الشرقي، مما دفع كوريا الجنوبية واليابان إلى رفع حالة التأهب.
غير أن مصدر القلق الياباني لا يقتصر على بيونغ يانغ، فطوكيو مقبلة على محادثات مع واشنطن بشأن حصتها من تكاليف استضافة القوات الأمريكية، التي تمثل أكبر انتشار عسكري أمريكي في الخارج.
ويتوقع مسؤول حكومي ياباني كبير أن يطالب ترمب، دون تمهيد كبير، بزيادة حادة في مساهمة اليابان، وهو طلب قد يصعب تمريره سياسيا.
ويخشى محللون أيضا أن تتحول تدريبات “السيف الحاد” الأمريكية اليابانية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول إلى ورقة تفاوض. ورغم تقليل مسؤولين في البلدين من احتمال تقليصها، فإنهم لا يستبعدون تغير موقف ترمب.
وقد تصبح التدريبات أصغر من نسخة 2024 في جميع الأحوال بسبب نقل موارد وقوات أمريكية إلى حرب إيران. وشمل ذلك توجه حاملة الطائرات “جورج واشنطن”، الوحيدة للولايات المتحدة في آسيا، إلى الشرق الأوسط لتخفيف العبء عن “أبراهام لينكولن”، مما أثار تساؤلات بشأن تأثير ذلك على الردع الأمريكي تجاه الصين.
ومع ذلك، أكد وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسات إلبريدج كولبي، خلال زيارة للمنطقة هذا الشهر، أن العمل مع الحلفاء لضمان الجاهزية القتالية على امتداد “سلسلة الجزر الأولى”، من اليابان إلى الفلبين، يظل أولوية لواشنطن.
ترمب وشي وتايوان
وتبدو هذه التناقضات أكثر حساسية في تايوان، التي تواجه ضغوطا عسكرية صينية متزايدة، فقد أرجأ ترمب الموافقة على حزمة أسلحة لتايبيه بقيمة 14 مليار دولار، في مسعى للحفاظ على علاقات مستقرة وهدنة تجارية هشة مع بكين.
ومع استعداد ترمب لاستضافة شي في واشنطن الشهر المقبل، يتوقع مسؤولون في تايبيه أن تُقسّم صفقات السلاح، على الأقل، إلى حزم أصغر لتجنب استفزاز الصين.
لكن دومينغو يانغ، من معهد أبحاث الدفاع والأمن الوطني التابع لوزارة الدفاع التايوانية، يرى أن هناك فارقا بين خطاب ترمب والممارسات الفعلية، مشيرا إلى استمرار التعاون في مجالات تبادل المعلومات والتدريب والدوريات.
وعبرت طائرة تابعة للبحرية الأمريكية مضيق تايوان الجمعة، في خطوة قالت واشنطن إنها تعكس التزامها بمنطقة “حرة ومفتوحة” في المحيطين الهندي والهادي.
أما في الهند، فتتراكم أسباب الحذر. فإلى جانب الرسوم الجمركية الأمريكية وحديث ترمب المتكرر عن التوسط في وقف إطلاق النار مع باكستان، أثار قرار البنتاغون في يونيو/حزيران الماضي تغيير اسم قيادته العسكرية في آسيا من “قيادة المحيطين الهندي والهادي” إلى “قيادة المحيط الهادي” تساؤلات بشأن مكانة نيودلهي، رغم نفي الوزارة أي تحول إستراتيجي.
وبحسب مصدرين هنديين، أصبح المسؤولون يتعاملون الآن بـ”حذر شديد” مع الالتزام باتفاقات دفاعية طويلة الأمد مع واشنطن، في مؤشر إلى أن أثر تحركات ترمب يتجاوز كوريا الشمالية ليطال الثقة الأوسع بالبنية الأمنية الأمريكية في آسيا.

