مقاتلات J-35 الشبحية وطائرات حرب إلكترونية وأنظمة دفاع جوي.. كيف تحاول الصين إعادة تشكيل سلاح الجو المصري؟





الصين تعرض لمصر منظومة جوية متكاملة.. هل تستعد القاهرة للابتعاد عن السلاح الروسي والانفتاح على بكين؟
موقع الدفاع العربي – 3 سبتمبر 2026: في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الزيارة الرسمية للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، تبدو الرسالة الأبرز التي تحملها بكين للقاهرة بعيدة عن قاعات الاجتماعات الرسمية، وتحديدًا داخل القواعد الجوية المصرية، حيث تنتشر منذ أيام مجموعة واسعة من الطائرات المقاتلة وطائرات التزود بالوقود والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية الصينية.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع اقتراب القوات الجوية المصرية والصينية من ختام مناورات «نسور الحضارة 2026»، وهي ثاني تدريبات جوية مشتركة بين البلدين، بعدما وصلت الطائرات الصينية إلى مصر في 21 أغسطس، قاطعة أكثر من 6 آلاف كيلومتر.
لكن اللافت هذه المرة لا يقتصر على حجم المشاركة الصينية، بل يمتد إلى طبيعة المنصات التي دفعت بها بكين إلى الأراضي المصرية. فالقوة الصينية المشاركة تبدو أكبر وأكثر تنوعًا مقارنة بمناورات عام 2025، الأمر الذي دفع مراقبين إلى وصفها بأنها أشبه بـ«معرض جوي متنقل» يتيح للقاهرة اختبار مجموعة من أبرز المنتجات العسكرية الصينية، وفي الوقت نفسه يمنح بكين فرصة لتسويق مقاتلاتها وأنظمتها في سوق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
يرى جاستن برونك، كبير الباحثين في مجال القوة الجوية بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، أن الصين تتحرك بقوة للحصول على موطئ قدم أكبر في سوق الطائرات المقاتلة المصرية.
ويقول برونك إن هناك ضغطًا صينيًا واضحًا، مدعومًا على مستوى قيادتي البلدين، بهدف استبدال روسيا باعتبارها المورد غير الغربي الرئيسي للقوة الجوية المصرية.
وكانت روسيا قد سلمت مصر 46 مقاتلة من طراز MiG-29M بين عامي 2017 و2021، إلا أن القاهرة تراجعت في عام 2018 عن صفقة لشراء ما يصل إلى 24 مقاتلة من طراز Su-35S، بقيمة قدرت بنحو ملياري دولار.
ويرى برونك أن بكين قد تستفيد من حالة عدم الرضا المصرية تجاه Su-35S، خاصة بعد المقارنات التي أجرتها القاهرة بين الطائرة الروسية وكل من رافال الفرنسية وإف-16 الأمريكية، إلى جانب التأثيرات التي فرضتها الحرب في أوكرانيا على صناعة الدفاع الروسية وقدرتها على تلبية احتياجات العملاء الأجانب.
وفي المقابل، تقدم الصين لمصر مجموعة مختلفة من الخيارات، تبدأ من مقاتلات الجيل الرابع المطورة، ولا تتوقف عند الطائرات الشبحية، بل تمتد إلى طائرات الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والتزود بالوقود والمسيرات ومنظومات الدفاع الجوي.
المقاتلات الصينية المطروحة أمام القاهرة
كان ظهور ست مقاتلات صينية ثقيلة من طراز شنيانغ J-16 أحد أبرز عناصر المشاركة الصينية في المناورات، في أول ظهور تشغيلي لهذا النوع من الطائرات في القارة الأفريقية.


وخلال التدريبات، شاركت J-16 في تدريبات قتالية جوية إلى جانب مقاتلات مصرية من طرازي رافال وميغ-29، ما أتاح للطيارين المصريين التعرف بصورة مباشرة على قدرات المقاتلة الصينية.
وتنتمي J-16 إلى فئة المقاتلات متعددة المهام ذات المحركين من جيل 4.5، وهي مستوحاة من عائلة سو-30 الروسية.
وهنا تظهر عقبة رئيسية أمام أي محاولة لبيعها إلى مصر، إذ ترتبط أصول الطائرة بحقوق وترخيص روسي يعود إلى اتفاق أبرمته موسكو مع بكين في تسعينيات القرن الماضي لتصنيع مقاتلات سو-30 في الصين، مع قيود على تصدير الطائرة أو مشتقاتها.
ويرى برونك أن احتمال تصدير J-16 أقل بكثير من مقاتلتي J-10CE وJ-35، باعتبارها جزءًا أساسيًا من القدرات القتالية الصينية في الخطوط الأمامية.
وبالتالي، فإن وجودها في مصر يبدو أقرب إلى عرض قدراتها واختبارها في بيئة تشغيلية حقيقية منه إلى تمهيد مباشر لصفقة تصدير.
في المقابل، تبدو ي-10ج أكثر واقعية عندما يتعلق الأمر باحتمالات التصدير إلى مصر.
فالمقاتلة متوسطة الوزن أصبحت خلال الفترة الأخيرة من أبرز المنتجات التي تروج لها الصين للقاهرة، بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لمصر.
وتعود جذور برنامج J-10 إلى مشاريع صينية تعود إلى أواخر ثمانينيات وبدايات تسعينيات القرن الماضي. ووفقًا لبرونك، استفادت الصين خلال تلك المرحلة من خبرات شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية في أعقاب إلغاء برنامج المقاتلة الإسرائيلية “لافي Lavi” تحت ضغط أمريكي.
ويعتقد على نطاق واسع أن بعض عناصر التصميم والتكنولوجيا المرتبطة بـLavi وجدت طريقها إلى برنامج J-10، وإن كانت الطائرة الصينية تطورت لاحقًا بصورة مستقلة إلى منصة مختلفة.
أما على المستوى العملياتي، فقد اكتسبت J-10C اهتمامًا دوليًا إضافيًا بعد المواجهة الجوية الهندية-الباكستانية في مايو 2025، عندما نُسب إلى مقاتلات J-10C الباكستانية إسقاط مقاتلة رافال هندية باستخدام صواريخ PL-15 بعيدة المدى من مسافة 200 كيلومتر.
وتشغل باكستان بالفعل 36 مقاتلة من هذا النوع، وفقًا لما ورد في تقرير للبنتاغون عام 2025، ما يجعلها أحد أهم النماذج العملية لتشغيل المقاتلة خارج الصين.


إذا كانت J-10C تمثل الخيار التقليدي، فإن J-35 تمثل الرهان الأكثر طموحًا في أي صفقة صينية محتملة مع مصر.
وتعد J-35 مقاتلة شبحية ثنائية المحرك، وتحتل موقعًا متقدمًا في استراتيجية الصين لتوسيع صادراتها من مقاتلات الجيل الخامس.
وقد أثارت الطائرة منذ ظهورها اهتمامًا واسعًا بسبب أوجه التشابه بينها وبين المقاتلة الأمريكية إف-35، في حين سبق لمسؤولين أمريكيين أن أشاروا إلى أن عمليات التجسس الإلكتروني الصينية المرتبطة ببرنامج إف-35 ربما ساهمت في تطوير بعض جوانب التصميم الصيني.
ورغم عدم مشاركة J-35 حتى الآن في تدريبات «نسور الحضارة»، فإن احتمال إدراجها ضمن الخيارات المطروحة أمام القاهرة يظل من أكثر الملفات إثارة للاهتمام خلال زيارة الرئيس الصيني.
وفي حال حصول مصر عليها، فإن ذلك سيمنح القوات الجوية المصرية قدرة شبحية من الجيل الخامس، وسيكون له وزن كبير على مستوى التوازنات الجوية في المنطقة.
وكانت الحكومة الباكستانية قد أعلنت في العام الماضي أن الصين عرضت عليها ما يصل إلى 40 مقاتلة J-35، في مؤشر على استعداد بكين لتوسيع نطاق تصدير هذه المنصة.
ولم تقتصر الرسائل الصينية على المقاتلات، إذ حملت مناورات هذا العام مشهدًا لافتًا تمثل في قيام طائرة التزود بالوقود الصينية YU-20 بتزويد مقاتلة رافال مصرية بالوقود.
وتعد YU-20 نسخة للتزود بالوقود جواً مشتقة من طائرة النقل الاستراتيجية Y-20، وهي منصة نقل ثقيلة بدأت رحلتها التشغيلية الأولى عام 2013 ودخلت الخدمة الصينية عام 2022.
وكانت لحظة تزويد رافال المصرية بالوقود في 31 أغسطس من أبرز مشاهد المناورات، بعدما انتشرت صور العملية على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتكتسب العملية أهمية خاصة لأنها أظهرت قدرة طائرة تزود بالوقود صينية على التعامل مع مقاتلة غربية الصنع، كما سلطت الضوء على استخدام نظام تزويد بالوقود يعتمد على المسبار بما يتوافق مع متطلبات التشغيل بين منصات مختلفة.


وبذلك لم تعد المناورة مجرد تدريب بين مقاتلات مصرية وصينية، بل تحولت إلى اختبار للتكامل بين منظومات جوية تنتمي إلى مدارس تسليح مختلفة.
ومن بين أكثر المنصات أهمية في المشاركة الصينية طائرة الإنذار المبكر والسيطرة KJ-500، التي دخلت الخدمة عام 2015 وأصبحت واحدة من أهم ركائز شبكة المراقبة الجوية الصينية.
وتستند الطائرة إلى منصة Y-9، التي تعود جذورها بصورة غير مباشرة إلى تصاميم الحقبة السوفيتية، قبل أن تخضع لتطويرات صينية واسعة على مستوى المحركات والإلكترونيات وأنظمة الاستشعار.
وتكشف مشاركة KJ-500 عن أحد أهم عناصر القوة التي تسعى الصين إلى تسويقها: ليس فقط امتلاك مقاتلات متقدمة، بل بناء منظومة متكاملة تعتمد على الإنذار المبكر والسيطرة الجوية وربط الطائرات المقاتلة بمراكز القيادة والاستطلاع.
إلى جانب KJ-500، دفعت الصين بطائرة Y-9LG المتخصصة في الحرب الإلكترونية والتشويش بعيد المدى.
ويمثل إرسال هذه الطائرة تحديدًا إلى تدريبات خارج الأراضي الصينية خطوة ذات دلالة، بالنظر إلى حساسية تقنيات الحرب الإلكترونية التي تحملها.
وعادة ما تكون منصات الحرب الإلكترونية من أكثر المعدات تحفظًا في ما يتعلق بالتدريبات الخارجية، إلا أن الصين أظهرت خلال السنوات الأخيرة استعدادًا متزايدًا لاختبار هذه القدرات في بيئات تشغيلية مشتركة.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة وجود Y-9LG في مصر باعتباره مؤشرًا على مستوى الثقة الذي توليه بكين للقاهرة، فضلًا عن كونه فرصة لإظهار قدرات الحرب الإلكترونية الصينية في بيئة تدريب حقيقية.
لكن هناك نظامًا صينيًا آخر لا يحتاج إلى عروض أو مناورات لإثبات وجوده في مصر، وهو منظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى HQ-9B.


وتمثل HQ-9B أبرز قطعة من المعدات العسكرية الصينية التي اقتنتها مصر ونشرتها فعليًا، مع تقارير تحدثت عن نقل بطاريات منها إلى سيناء.
ويعود برنامج HQ-9 إلى ثمانينيات القرن الماضي، بينما يرى محللون غربيون أن تطوير المنظومة استفاد بدرجة كبيرة من دراسة التكنولوجيا المرتبطة بمنظومات إس-300 الروسية التي حصلت الصين على عدد منها في تسعينيات القرن الماضي.
ويُنظر إلى HQ-9B باعتبارها نسخة متقدمة بعيدة المدى من العائلة، مع مدى تقديري يصل إلى نحو 300 كيلومتر.
وجود هذه المنظومة في مصر يجعل التعاون الدفاعي الصيني-المصري يتجاوز مرحلة الاهتمام النظري، ويدخل بالفعل في نطاق تشغيل معدات صينية داخل القوات المسلحة المصرية.
ومن الأنظمة التي ارتبط اسمها بمصر أيضًا المسيرة النفاثة دبليو جي-700 فالكون، وهي منصة استطلاع وهجوم عالية الارتفاع طورتها شركة صينية تابعة لمجموعة علوم وصناعة الفضاء الصينية.
وبدأت التقارير تتحدث عن اهتمام مصري بهذه الطائرة منذ أواخر عام 2024، فيما أشارت تقارير في قطاع الصناعات الدفاعية إلى توقيع القاهرة صفقة في يونيو 2025 للحصول على عشر طائرات بقيمة تقارب 400 مليون دولار.
وكانت من بين المهام المقترحة مراقبة المجال البحري في البحر الأحمر وتنفيذ مهام مرتبطة بقمع الدفاعات الجوية المعادية.
لكن الصفقة لم تحصل على تأكيد رسمي من القاهرة أو بكين حتى الآن. وإذا ثبت إتمامها، فستصبح مصر ثاني مشغل أجنبي للطائرة بعد الجزائر.
وتعكس WJ-700 جانبًا آخر من الاستراتيجية الصينية، يتمثل في محاولة السيطرة على سوق الطائرات المسيرة المتقدمة، وهو قطاع أصبحت الشركات الصينية تنافس فيه بقوة على مستوى الشرق الأوسط.
عرض عسكري قد يتحول إلى تحول استراتيجي
ما عرضته الصين في مصر خلال الأيام الماضية يتجاوز بكثير مجرد مجموعة من الطائرات المشاركة في مناورة عسكرية.
فبكين قدمت نموذجًا متكاملًا لمنظومة جوية تضم المقاتلات، والإنذار المبكر، والحرب الإلكترونية، والتزود بالوقود، والدفاع الجوي والطائرات المسيرة.
وهذا تحديدًا ما قد يجعل العرض الصيني أكثر جاذبية للقاهرة، خصوصًا في ظل سعي مصر إلى تنويع مصادر تسليحها وعدم الاعتماد على مورد واحد.
وتأتي هذه التحركات في وقت أظهرت فيه بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «SIPRI» انخفاض واردات مصر من الأسلحة بنسبة 44% خلال الفترة 2020-2024 مقارنة بالفترة الخمسية السابقة، ما أدى إلى تراجعها من المرتبة الثالثة عالميًا بين أكبر مستوردي الأسلحة إلى المرتبة الثامنة.


وفي الوقت نفسه، لا تزال حصة الصين من واردات الأسلحة في الشرق الأوسط محدودة نسبيًا، وهو ما يعني أن دخول القاهرة بقوة إلى سوق السلاح الصيني قد يمثل تحولًا مهمًا في خريطة صادرات الأسلحة الصينية إلى المنطقة.
لكن أي صفقة مصرية كبيرة مع الصين، خصوصًا إذا تضمنت J-10CE أو J-35، لن تكون ذات أبعاد عسكرية فقط.
ويرى برونك أن حصول مصر على هذه الطائرات قد يثير مخاوف كبيرة في واشنطن وباريس بشأن احتمال وصول الصين أو دول تعتبرها الولايات المتحدة خصمًا إلى معلومات وتقنيات مرتبطة بمنظومات إف-16 ورافال التي تشغلها القوات الجوية المصرية.
ويذهب الخبير البريطاني إلى أن صفقة من هذا النوع قد تعرض مصر لعقوبات بموجب قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA)، وهو القانون الذي استخدمته واشنطن سابقًا لمعاقبة تركيا على شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400.
غير أن تطبيق هذا السيناريو على مصر ليس أمرًا محسومًا، وسيعتمد على طبيعة الصفقة النهائية وكيفية تقييم واشنطن لتداعياتها على الأمن والتعاون العسكري بين البلدين.
في النهاية، لا تكمن أهمية زيارة الرئيس الصيني لمصر في الطائرات التي ظهرت خلال «نسور الحضارة 2026» فقط، وإنما في الرسالة التي تحملها هذه المشاركة.
فالصين لا تعرض على القاهرة مقاتلة واحدة، بل تقدم حزمة متكاملة من القدرات الجوية يمكن أن تشمل مقاتلات J-10CE، ومقاتلات J-35 الشبحية، وطائرات الإنذار المبكر KJ-500، وطائرات الحرب الإلكترونية، وطائرات التزود بالوقود، والمسيرات، ومنظومات الدفاع الجوي.
أما التحدي الأكبر فيبقى سياسيًا واستراتيجيًا.
فمصر ترتبط منذ عقود بعلاقة عسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة، وتلقت أكثر من مليار دولار سنويًا من المساعدات العسكرية الأمريكية على مدى عقود، في الوقت الذي تعتمد فيه قواتها الجوية على أسطول كبير من F-16 إلى جانب رافال الفرنسية وميغ-29 الروسية.
لذلك، فإن السؤال الذي ستتركه زيارة شي جين بينغ مفتوحًا ليس فقط: هل ستشتري مصر J-10CE أو J-35؟
بل السؤال الأوسع هو: هل تستعد القاهرة لاتخاذ خطوة استراتيجية نحو الصين باعتبارها أحد الموردين الرئيسيين للقوة الجوية المصرية، حتى لو أدى ذلك إلى اختبار علاقاتها العسكرية التقليدية مع واشنطن وباريس؟
وإذا تحولت العروض الحالية إلى عقود فعلية، فإن ذلك لن يمثل مجرد صفقة تسليح جديدة، بل قد يكون بداية لإعادة رسم موقع الصين داخل معادلة التسليح المصرية والشرق أوسطية على حد سواء.
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com — للاطلاع على المادة الأصلية.




