الإعلام


موقع الدفاع العربي – 5 سبتمبر 2026: أثار تقرير نشره موقع NetEase الصيني جدلًا واسعًا بشأن نتائج المواجهات التدريبية بين مقاتلات J-16 الصينية ورافال المصرية خلال مناورات «نسور الحضارة 2026». ووفقًا لما أورده الموقع نقلًا عن مصادر ومدونات عسكرية صينية، حققت مقاتلات J-16 نتيجة بلغت 7 انتصارات مقابل خسارة واحدة في الاشتباكات التدريبية مع رافال المصرية.
لكن هذه النتيجة لم تعلنها رسميًا القوات الجوية المصرية أو الصينية، كما لم تنشر أي من الدولتين سجلات تفصيلية للاشتباكات أو قواعد تقييمها. وقد أشارت تقارير أخرى إلى أن هذا الرقم ظهر في مقالات على NetEase ومدونات عسكرية صينية، بينما لم تؤكده البيانات الرسمية.
وتسائل NetEase: إذا كانت J-16 قد حققت، وفق الرواية الصينية، هذه النتيجة اللافتة أمام رافال، فلماذا تستمر مصر في شراء المقاتلة الفرنسية؟ ولماذا لا تتجه القاهرة بصورة أكبر نحو المقاتلات الصينية، وعلى رأسها J-10CE؟
وقال بأن الإجابة لا ترتبط بالضرورة بتفوق مقاتلة على أخرى، وإنما بمجموعة معقدة من الاعتبارات المالية واللوجستية والسياسية والاستراتيجية.
ووفقًا له، تُعد مصر من أبرز مشغلي رافال خارج فرنسا. فقد وقعت القاهرة في عام 2015 عقدًا للحصول على 24 مقاتلة، ثم أبرمت في عام 2021 عقدًا إضافيًا لشراء 30 مقاتلة، ليصل إجمالي طلبياتها إلى 54 طائرة. وإذا صحت التقارير المتعلقة بإمكانية شراء 24 مقاتلة إضافية، فقد يرتفع الأسطول المصري إلى 78 رافال.
وهنا تظهر إحدى أهم الحقائق في صفقات الطائرات المقاتلة: الدولة لا تشتري الطائرة وحدها، بل تشتري منظومة تشغيل متكاملة تمتد لعقود.
ويرى الموقع أن سعر الطائرة يمثل جزءًا من التكلفة الإجمالية فقط، بينما تتطلب عملية إدخال مقاتلة جديدة إلى الخدمة استثمارات كبيرة في تدريب الطيارين والأطقم الأرضية، وقطع الغيار، وصيانة المحركات، وإلكترونيات الطيران، والمحاكيات، والبنية التحتية، وأنظمة التسليح، ومرافق التخزين والصيانة، فضلًا عن عمليات التحديث والدعم المستمرة.
وبالتالي، فإن شراء J-10CE لا يعني ببساطة إضافة طائرة جديدة إلى الأسطول، بل يعني إنشاء منظومة صيانة وتدريب وتسليح ودعم لوجستي جديدة إلى جانب المنظومات الموجودة أصلًا.
يعتمد سلاح الجو المصري بالفعل على مزيج متنوع من المقاتلات الأمريكية والفرنسية والروسية، بما في ذلك F-16 ورافال وMiG-29. وهذا التنوع يجعل إدارة سلاسل الإمداد والتسليح والصيانة عملية معقدة في حد ذاتها.


إضافة مقاتلة صينية متطورة بأعداد كبيرة ستفرض منظومة جديدة من التدريب والصيانة وقطع الغيار والذخائر والبرمجيات وروابط البيانات والبنية التحتية. لذلك، حتى لو كانت J-10CE خيارًا جذابًا من الناحية العملياتية أو السعرية، فإن قرار شرائها لا يمكن أن يُبنى على مقارنة أداء مقاتلة بمقاتلة فقط.
وقال بأن القاهرة مطالبة بالنظر إلى تكلفة دورة الحياة الكاملة للطائرة، وليس سعر الشراء الأولي.
وهناك أيضًا العامل الأمريكي الذي لا يمكن تجاهله بحسب الموقع الصيني. ووفقًا له، تقدم الولايات المتحدة لمصر مساعدات عسكرية سنوية تبلغ نحو 1.3 مليار دولار، إلى جانب علاقات عسكرية وأمنية عميقة تشمل التدريب والدعم اللوجستي وقطع الغيار وصيانة جزء كبير من المعدات الأمريكية الموجودة في الخدمة المصرية.
ومن ثم، فإن التوسع الكبير في شراء مقاتلات صينية أو روسية متقدمة قد لا يكون مجرد قرار فني، بل قد يحمل تداعيات سياسية على العلاقات المصرية الأمريكية.
في المقابل، تمثل فرنسا بالنسبة إلى القاهرة خيارًا مختلفًا. فرافال ليست أمريكية، وبالتالي فإن شراء المزيد منها يمنح مصر درجة إضافية من تنويع مصادر التسليح، لكنها في الوقت نفسه مقاتلة غربية، ما يجعل شراءها أقل حساسية بالنسبة إلى واشنطن مقارنة باقتناء أعداد كبيرة من المقاتلات الصينية أو الروسية.
وهنا تظهر الاستراتيجية المصرية بوضوح: تنويع مصادر التسليح دون قطع الجسور مع أي من القوى الكبرى.
أما ما أورده NetEase بشأن نتيجة 7-1، فلا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على قدرات الطائرتين. فالموقع نفسه تناول المواجهة في إطار التدريب الجوي، وليس حربًا حقيقية، كما أن نتائج المناورات تختلف باختلاف السيناريوهات وقواعد الاشتباك وأدوار الطائرات المشاركة.
فالقتال الجوي التدريبي لا يعني بالضرورة أن إحدى الطائرات “أسقطت” الأخرى بالمعنى الذي يحدث في الحرب. ويمكن أن تتضمن المناورات سيناريوهات محددة للقتال القريب أو الاشتباك خارج مدى الرؤية، مع شروط مسبقة تحدد طريقة اكتشاف الأهداف واستخدام الأسلحة الافتراضية.
ولهذا، فإن الرقم الذي نشره NetEase لا يمكن استخدامه وحده لإثبات أن J-16 تتفوق بصورة مطلقة على رافال.
كما أن اختزال المواجهة في مقارنة بين مقاتلتين يتجاهل طبيعة الحرب الجوية الحديثة. فـ J-16 مقاتلة ثقيلة ثنائية المحرك، تتمتع بقدرة كبيرة على حمل الأسلحة والوقود ومدى عملياتي واسع، بينما تتميز رافال بحجم أصغر وقدرات عالية على المناورة والاستشعار والحرب الإلكترونية.


لكن نتيجة الاشتباك الجوي لا تعتمد على مواصفات الطائرة وحدها. فالسرعة والارتفاع عند بدء المواجهة، وإدارة الطاقة، وموقع الطائرة، ونوعية الصاروخ، وقدرات الاستشعار، وأنظمة التصويب، والوعي الظرفي، وتكتيكات الطيارين، كلها عوامل يمكن أن تغير نتيجة أي اشتباك.
والأكثر أهمية في المناورات المصرية الصينية لم يكن وجود J-16 وحدها، بل المنظومة الجوية المتكاملة التي رافقتها.
فخلال «نسور الحضارة 2026»، أرسلت الصين إلى مصر مجموعة من المنصات شملت J-16 وطائرات إنذار مبكر KJ-500 وطائرات تزود بالوقود وطائرات نقل ومنصات دعم أخرى. وقد أكدت وسائل إعلام صينية أن مقاتلات J-16 نفذت تدريبات قتالية مع رافال وMiG-29 المصرية خلال أول أيام الطيران.
وهذه النقطة مهمة للغاية عند قراءة ما نشره NetEase. فالقوة الحقيقية للمقاتلة الصينية لا تكمن في قدراتها الفردية فقط، وإنما في قدرتها على العمل ضمن شبكة متكاملة من الاستشعار والإنذار المبكر والاتصالات والحرب الإلكترونية والتزود بالوقود.
فطائرة مثل KJ-500 تستطيع توفير صورة جوية أوسع، بينما تسمح روابط البيانات بتبادل المعلومات بين منصات مختلفة، وتعمل طائرات الحرب الإلكترونية على التأثير في البيئة الكهرومغناطيسية، في حين توفر طائرات التزود بالوقود قدرة أكبر على البقاء في الجو وتوسيع نطاق العمليات.
وبالتالي، فإن ما يلفت الانتباه في المناورة ليس فقط سؤال “من تفوق على من؟”، بل قدرة الصين على نقل منظومة جوية متكاملة لمسافة تتجاوز 6000 كيلومتر وتشغيلها في بيئة تدريبية بعيدة عن أراضيها.
وينطبق الأمر نفسه على الحديث عن J-10CE ورافال في الحرب الجوية الهندية الباكستانية عام 2025. فحتى لو ثبتت مشاركة J-10 في إسقاط مقاتلات هندية، فإن النتيجة لا تعني تلقائيًا أن J-10 تتفوق على رافال في جميع الظروف، لأن النتيجة تتأثر بالطيارين والتكتيكات وأنظمة الاستشعار والإنذار المبكر والأسلحة المستخدمة وشبكة القيادة والسيطرة.
ومن هذه الزاوية، يصبح قرار مصر أكثر وضوحًا.
القاهرة لا تبدو وكأنها تختار رافال لأنها تعتبرها بالضرورة أفضل مقاتلة، كما أنها لا ترفض المقاتلات الصينية لأنها أقل قدرة. الأمر يتعلق بإدارة توازن معقد بين القدرة القتالية والتكلفة والاستقلالية السياسية والبنية التحتية وعلاقات التسليح القائمة.
رافال تمنح مصر قدرة غربية متقدمة، مع تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في مجال المقاتلات الحديثة، بينما يمنح الانفتاح على الصين القاهرة خيارًا إضافيًا يمكن استخدامه لتنويع مصادر التسليح وتعزيز قدرتها التفاوضية.
وهنا قد تكون إحدى أهم فوائد دخول الصين إلى سوق المقاتلات المصرية هي أنها تمنح القاهرة ورقة ضغط جديدة في المفاوضات.
فإذا كانت فرنسا تعلم أن مصر لا تملك سوى خيار واحد، فإن هامش المناورة في التفاوض على الأسعار والتسليح والتحديثات ونقل التكنولوجيا يكون محدودًا. أما إذا أصبحت الصين قادرة على تقديم بديل مقنع، فإن مجرد وجود هذا البديل يمكن أن يحسن شروط التفاوض المصرية.
ومن هذه الزاوية، فإن عدم شراء مصر لـJ-10CE فورًا لا يعني أن الصين خسرت المنافسة.
بل ربما يكون العكس صحيحًا؛ فوجود المقاتلات الصينية في حسابات القاهرة قد يمنح مصر خيارات أوسع، حتى لو استمرت في الوقت نفسه بشراء رافال.
وفي سوق السلاح، لا يكون الفوز دائمًا بالحصول على العقد.
أحيانًا، يكفي أن تمتلك الدولة بديلًا حقيقيًا حتى تصبح أقوى على طاولة المفاوضات.
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com — للاطلاع على المادة الأصلية.




