🚨 تابع الأخبار العاجلة من بتوقيت بيروت على واتساب
الدفاع والامن

روسيا التي لا تريد حربا مع الناتو أم أوروبا التي تحتاج إلى عدو روسي دائم؟

bbcorp
روسيا التي لا تريد حربا مع الناتو أم أوروبا التي تحتاج إلى عدو روسي دائم؟روسيا التي لا تريد حربا مع الناتو أم أوروبا التي تحتاج إلى عدو روسي دائم؟

عاد التوتر الروسي-الألماني إلى الواجهة من بوابة مطار لايبزيغ، بعدما اتهمت السلطات الألمانية موسكو بالوقوف وراء محاولة استهداف بطائرة مسيرة محملة بمتفجرات قرب طائرات شحن أوكرانية. وجاء الاتهام في ظل مناخ أوروبي شديد الحساسية تجاه روسيا، أصبحت فيه أي حادثة أمنية مرتبطة بالبنية التحتية أو النشاط الاستخباراتي قابلة للتحول سريعا إلى جزء من السردية الغربية حول “الخطر الروسي” على أوروبا. غير أن الرواية الألمانية تظل، من المنظور الروسي، مجرد اتهام سياسي وأمني لم تعرض تفاصيل أدلته كاملة أمام الرأي العام، في وقت نفت فيه موسكو بصورة قاطعة أي تورط لها في الحادث.

ويكتسب هذا التطور أهميته من كونه يأتي في مرحلة وصلت فيها العلاقات الروسية-الأوروبية إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، بعدما انتقلت القارة من سياسة الانخراط الاقتصادي مع موسكو إلى سياسة الاحتواء والعقوبات والتسليح وإعادة بناء القدرات العسكرية. وفي هذه الظروف، أصبحت روسيا حاضرة في الخطاب الأمني الأوروبي بوصفها “تهديدا دائما”، وباتت الحوادث التي تقع داخل الدول الأوروبية تقرأ بصورة متزايدة ضمن إطار الصراع الروسي-الغربي، حتى قبل اكتمال التحقيقات أو الكشف عن الأدلة التي تسمح بإصدار حكم نهائي.

وتأتي قضية لايبزيغ ضمن مسار طويل أعاد تشكيل العلاقة بين روسيا وألمانيا، وحول موسكو من شريك اقتصادي أساسي لبرلين إلى خصم استراتيجي. وتعكس القضية أيضا اتساع المواجهة من ساحات القتال في أوكرانيا إلى مجالات الأمن السيبراني والاستخبارات والبنية التحتية والحرب المعلوماتية. وفي ظل هذه البيئة، أصبحت الرواية المعادية لروسيا جزءا من بنية سياسية وأمنية متكاملة تعزز استمرار القطيعة بين الطرفين.

جذور الأزمة تتجاوز فبراير (شباط) 2022

لم تبدأ الأزمة الروسية-الغربية مع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وإنما كانت نتيجة لمسار جيوسياسي طويل تبلور تدريجيا منذ نهاية الحرب الباردة، سعت واشنطن من خلاله إلى تكريس أحادية قطبية لا تنازع، تقتضي في جوهرها احتواء أي منافس محتمل قبل أن يشتد عوده، ولا سيما مع صعود فلاديمير بوتين، رجل المخابرات السوفيتية، إلى الحكم. فقد شهدت العقود التي أعقبت انهيار المعسكر الشيوعي توسعا متواصلا لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق، وانضمت إلى الحلف دول كانت في السابق جزءا من المجال السوفيتي. ومع مرور الوقت، اقتربت البنية الأمنية والعسكرية الغربية من الحدود الروسية بصورة غير مسبوقة منذ انهيار المعسكر الشرقي.

بلغ هذا المسار محطة شديدة الحساسية في قمة الناتو التي انعقدت في بوخارست عام 2008، حين أعلن الحلف أن أوكرانيا وجورجيا ستصبحان عضوين فيه مستقبلا. وقد ورد هذا الالتزام في البيان الرسمي للقمة، ما يجعل المسألة حقيقة موثقة وليست رواية روسية. وبالنسبة إلى موسكو، كان إدخال أوكرانيا في المسار الأطلسي يمثل تحولا استراتيجيا خطيرا، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وحدودها المشتركة مع روسيا وأهميتها في العمق الأمني الروسي. ومنذ ذلك الوقت، أصبح ملف عضوية أوكرانيا في الناتو واحدا من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين موسكو والغرب.

تفاقمت الأزمة بعد أحداث 2014، عندما تحولت أوكرانيا إلى ساحة صراع جيوسياسي مفتوح بين روسيا والغرب، ثم تطورت المواجهة تدريجيا عبر الدعم العسكري والسياسي الغربي لكييف، وصولا إلى مرحلة الحشد العسكري الروسي في نهاية 2021.

ضمانات 2021 التي لم تجد طريقها إلى التسوية

في ديسمبر (كانون الأول) 2021، قدمت موسكو إلى الولايات المتحدة وحلف الناتو مقترحات مكتوبة بشأن الضمانات الأمنية في أوروبا، تضمنت مطالب تتعلق بعدم توسع الحلف شرقا، وعدم انضمام أوكرانيا إليه، ووضع قيود على انتشار القوات والبنية العسكرية في أوروبا الشرقية. وعكست هذه المطالب الرؤية الروسية التي تعتبر أن الأمن الأوروبي أصبح مختلا بصورة جوهرية منذ نهاية الحرب الباردة، وأن توسع الناتو لم يأخذ المصالح الأمنية الروسية في الاعتبار، في محاولة لإعادة التفاوض على الترتيبات الأمنية التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وحملت موسكو في تلك المرحلة خطابا واضحا حول ضرورة الوصول إلى اتفاق ملزم يضمن عدم تحويل أوكرانيا إلى قاعدة عسكرية غربية متقدمة على الحدود الروسية.

غير أن المفاوضات لم تصل إلى تسوية ممكنة، وبقيت الخلافات الجوهرية قائمة، قبل أن تتحول الأزمة في فبراير (شباط) 2022 إلى حرب واسعة النطاق. ومنذ ذلك الحين، أصبح الغرب يتعامل مع هذا الصراع باعتباره دليلا على ما يزعمه من صحة المخاوف من روسيا، بينما ترى موسكو أن الحرب جاءت نتيجة مباشرة لتراكم سنوات من تجاهل مطالبها الأمنية.

روسيا لم تجعل الحرب مع الناتو هدفا لها

رغم الحرب المستمرة في أوكرانيا، ظلت موسكو تميز في خطابها بين الصراع مع أوكرانيا والمواجهة المباشرة مع حلف شمال الأطلسي. فقد أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مناسبات متعددة أن روسيا لا تخطط لمهاجمة دول الحلف، وكرر مسؤولون روس أن موسكو لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ظل التصعيد الإعلامي الأوروبي الذي يقدم روسيا بوصفها قوة تستعد لمهاجمة دول البلطيق أو بولندا أو ألمانيا. فالحرب المباشرة بين روسيا والناتو ستكون مختلفة جذريا عن الحرب في أوكرانيا، لأنها ستضع قوى نووية كبرى في مواجهة مباشرة، وهو سيناريو تدرك موسكو خطورته. ولذلك ظلت الاستراتيجية الروسية، رغم حدتها في أوكرانيا، قائمة على إبقاء مساحة معينة تفصل بين الصراع على الأراضي الأوكرانية والدخول في مواجهة مباشرة مع الناتو.

لايبزيغ بين التحقيق الأمني والتوظيف السياسي

في هذا السياق، جاءت قضية مطار لايبزيغ، حيث قالت السلطات الألمانية إن الطائرة المسيرة التي عثر عليها محملة بالمتفجرات كانت تستهدف، على الأرجح، طائرات شحن أوكرانية، وربطت أجهزة الأمن الألمانية العملية بجهات روسية. ثم انتقلت برلين إلى اتخاذ إجراءات سياسية ودبلوماسية ضد موسكو.

لكن الجانب الروسي رفض الاتهامات، مؤكدا أن ألمانيا لم تقدم أدلة علنية تثبت مسؤولية الحكومة الروسية عن العملية. وهو تفصيل ذو أهمية، لأن الحديث عن تورط أفراد أو جهات مرتبطة بروسيا لا يساوي بالضرورة إثبات مسؤولية الدولة الروسية نفسها، ولا سيما في العمليات السرية التي يمكن أن تتداخل فيها أجهزة استخبارات وشبكات غير حكومية وأفراد يعملون لحساب جهات مختلفة.

ومن المنظور الروسي، فإن الانتقال من وجود مشتبه بهم أو روابط روسية إلى تحميل الكرملين مباشرة مسؤولية العملية يمثل قفزة سياسية تحتاج إلى أدلة أكثر وضوحا. وإبقاء الجزء الأساسي من الأدلة بعيدا عن المجال العام يفتح الباب أمام استخدام القضية في الصراع السياسي بدلا من حصرها في إطار التحقيق الجنائي.

أوكرانيا ضمن صراع أوسع على أوراسيا

في إطار التحول الكبير للنظام الدولي، أصبحت الولايات المتحدة تنظر إلى الصين باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأهم على المدى الطويل، بينما تمثل روسيا قوة عسكرية ونووية وجغرافية كبرى قادرة على التأثير في توازنات أوراسيا. بيد أن إضعاف روسيا لم يكن، في جوهر هذا المخطط، غاية في ذاته، بقدر ما كان محطة على طريق أبعد، هدفه كبح الصين، الخصم الاقتصادي الأعمق في حسابات واشنطن الاستراتيجية طويلة المدى، عبر محاولة استنزاف موسكو عسكريا واقتصاديا، وقطع أحد أهم الجسور اللوجستية والطاقية التي تربط بكين بأوروبا عبر الأراضي الروسية.

وجاءت الحرب على إيران في يونيو (حزيران) 2025 لتكشف عن الوجه الآخر من الاستراتيجية ذاتها، التي كانت أيضا ممرا موازيا لمحاولة إضعاف الحليف الإقليمي لكل من بكين وموسكو من بوابة الشرق الأوسط، في مسعى لضرب طرفي معادلة واحدة: الشريك الأوراسي لبكين من جهة، وحليفها في غرب آسيا من جهة أخرى.

ومن هنا اكتسبت الحرب الأوكرانية أهمية تتجاوز حدودها؛ فقد أدت إلى محاولة فصل روسيا عن جزء كبير من اقتصاد أوروبا. وبالنسبة إلى واشنطن، فإن الاتحاد الأوروبي الذي يشعر بتهديد روسي دائم يصبح أكثر اعتمادا على المظلة الأمنية الأمريكية.

إيران والشرق الأوسط في المعادلة نفسها

جاءت الحرب التي اندلعت بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وإيران مع مطلع عام 2026 لتضيف بعدا آخر إلى هذه التحولات. ومع دخول الولايات المتحدة مباشرة في المواجهة عبر ضرب منشآت إيرانية، اتسع نطاق الصراع في الشرق الأوسط، وتزايد الضغط على إيران باعتبارها واحدة من القوى الإقليمية التي تقف في مواجهة النظام الأمني الذي تقوده واشنطن.

وتختلف طبيعة الصراع الإيراني عن الحرب الأوكرانية، كما تختلف حسابات روسيا عن حسابات الصين وإيران، لكن التقاطع الجيوسياسي بين هذه الملفات أصبح أكثر وضوحا. فروسيا تقع في قلب أوراسيا، وإيران تمثل قوة مركزية في غرب آسيا، أما الصين فتمثل القوة الاقتصادية الصاعدة الأكبر في النظام الدولي.

ولهذا، فإن الضغط المتزامن على هذه البيئات الجيوسياسية الثلاث، من وجهة نظر الغرب، من شأنه أن يسهم في إعادة رسم ميزان القوى من أوروبا إلى الشرق الأوسط وصولا إلى آسيا. وفي المقابل، أدى استمرار الضغوط الغربية إلى دفع هذه القوى نحو توسيع علاقاتها فيما بينها، وهو ما ظهر في نمو التعاون الروسي-الصيني، والتقارب الروسي-الإيراني، واتساع شبكات التعاون خارج المؤسسات الغربية.

الخاتمة

تكشف قضية مطار لايبزيغ الألماني عن مرحلة جديدة من التوتر في العلاقة بين روسيا وأوروبا، حيث لم يعد الصراع محصورا في الجبهة الأوكرانية، وإنما امتد إلى الاستخبارات والبنية التحتية والأمن السيبراني والحرب الإعلامية والاتهامات الغربية. لكن التعامل مع هذه الصورة باعتبارها حقيقة مكتملة لا يخدم الأمن الأوروبي بالضرورة، مثلما يمثل تاريخ توسع الناتو شرقا ومفاوضات 2021 جزءا لا يمكن حذفه من خلفية الحرب.

ولذلك، فإن أهم ما تكشفه القضية هو هشاشة البيئة الأمنية الأوروبية أمام مخططات الضغط والتبعية. وبينما يبدو أن القطيعة بين موسكو والعواصم الغربية قد أصبحت أعمق من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة، فإن التاريخ والجغرافيا يفرضان حقيقة صعود قوى الشرق وتراجع احتكار الغرب لتحديد قواعد النظام الدولي الجديد متعدد الأقطاب.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير

المصدر الأصلي: eurasiaar.org — للاطلاع على المادة الأصلية.

beiruttime-lb.com — روسيا التي لا تريد حربا مع الناتو أم أوروبا التي تحتاج إلى عدو روسي دائم؟

مقالات ذات صلة

تابع الأخبار العاجلة من بتوقيت بيروت على واتساب