
ما هو رادار «فورونيج-دي إم» (Voronezh-DM) الروسي للرصد ما وراء الأفق؟ ولماذا يحظى بأهمية استراتيجية؟ ومتى استهدفت القوات الأوكرانية أحد هذه الأنظمة؟
موقع الدفاع العربي – 4 سبتمبر 2026: قامت القوات الروسية بتغطية أحد رادارات «فورونيج-دي إم» للرصد ما وراء الأفق بشباك مضادة للمسيّرات، في خطوة يبدو أنها تهدف إلى حمايته من هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية بعيدة المدى. ويقع الرادار في موقع مطار «دونايفكا» السابق بمنطقة كالينينغراد الروسية، وفقًا لصور أقمار صناعية ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتكتسب هذه المنشأة أهمية استراتيجية كبيرة، إذ يُقال إن رادار «فورونيج-دي إم» قادر على اكتشاف الأهداف على مسافات تصل إلى 6,000 كيلومتر، ويشكل جزءًا من منظومة الإنذار المبكر الروسية المخصصة لرصد أي هجوم صاروخي محتمل.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن القوات الأوكرانية تمكنت في مايو/أيار 2024 من إلحاق أضرار بأحد الرادارات الروسية العشرة من عائلة «فورونيج» للرصد ما وراء الأفق. وفي تلك الحالة، كان الهدف رادارًا آخر من طراز «فورونيج-دي إم» يقع بالقرب من مدينة أرمافير في إقليم كراسنودار الروسي.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت روسيا قد أعادت رادار «فورونيج-دي إم» في أرمافير إلى الخدمة العملياتية بعد الضربة التي تعرض لها عام 2024، إذ لا تتوفر معلومات موثوقة ومتاحة علنًا حول وضعه الحالي.
وبالاستناد إلى خرائط التغطية المنشورة علنًا لعائلة رادارات «فورونيج»، يُقال إن مجال رؤية رادار «فورونيج-دي إم» الموجود في منطقة كالينينغراد يمتد من إيطاليا وصولًا إلى المحيط الأطلسي.
ويشير الحرفان «دي إم» (DM) في تسمية الرادار إلى أنه يعمل ضمن نطاق الموجات العشرية (Decimeter). ووفقًا للمصادر الروسية، يستطيع الرادار تتبع ما يصل إلى 500 هدف في الوقت نفسه، بما في ذلك الصواريخ الجوالة والصواريخ الباليستية، إضافة إلى ما تصفه المصادر بـ«الأجسام الفضائية».
وقد يكون قرار حماية رادار «فورونيج-دي إم» في كالينينغراد بشباك مضادة للمسيّرات مجرد إجراء احترازي تحسبًا لهجمات محتملة بطائرات أوكرانية مسيّرة بعيدة المدى. إلا أن هذه الخطوة يمكن أيضًا النظر إليها باعتبارها إجراءً وقائيًا تحسبًا لاحتمال أن يقرر الكرملين مستقبلًا فتح «جبهة ثانية» في أوروبا.


يُعد رادار Voronezh-DM (77Ya6-DM) من أهم مكونات منظومة الإنذار المبكر الروسية ضد الهجمات الصاروخية، وهو رادار ثابت بعيد المدى يعمل في نطاق الموجات الديسيمترية UHF ويعتمد على مصفوفة هوائيات رقمية ممسوحة إلكترونيًا. وتتمثل مهمته الأساسية في اكتشاف وتتبع الأهداف الجوية والفضائية على مسافات شاسعة، ولا سيما الصواريخ الباليستية والصواريخ المجنحة والطائرات والأجسام الفضائية، وإرسال بيانات الإنذار والتتبع إلى منظومة القيادة والسيطرة الروسية.
تصل مدى التغطية الأفقي المعلن إلى نحو 6000 كيلومتر، بينما تورد بعض المصادر الروسية مدى أقصى يصل إلى 8000 كيلومتر في بعض أنماط الرصد، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة قدرة الرادار على اكتشاف كل أنواع الأهداف على تلك المسافات. كما تذكر مصادر أخرى مدى نظريًا يصل إلى 10,000 كيلومتر، إلا أن هذا الرقم يرتبط بظروف وأنماط تشغيل محددة.
ومن أبرز قدراته التعامل مع عدد كبير من الأهداف في وقت واحد؛ إذ تُنسب إلى Voronezh-DM قدرة على تتبع نحو 500 هدف بالتزامن، ما يسمح له ببناء صورة جوية واسعة ومراقبة مسارات متعددة للصواريخ والأهداف الجوية والفضائية في آن واحد. وتصل منطقة الرصد العمودية المعلنة إلى نحو 8000 كيلومتر في بعض البيانات، ما يمنحه قدرة على مراقبة مسارات الأجسام الموجودة في الفضاء القريب، إلى جانب مهمته الرئيسية في الإنذار من الهجمات الصاروخية.
ويتميز استخدام النطاق الديسيمتري UHF بموازنة أفضل بين مدى الكشف ودقة تحديد موقع الهدف مقارنة برادارات الإنذار المبكر العاملة بالموجات المترية. وهذا مهم خصوصًا عند تتبع الأهداف الباليستية، إذ لا يقتصر دور الرادار على اكتشاف وجود جسم مجهول، بل يتيح إنتاج بيانات عن موقع الهدف ومساره واتجاه حركته يمكن استخدامها في منظومة الإنذار المبكر وتوجيه وسائل الدفاع الصاروخي.
كما أن Voronezh-DM مصمم لرصد الأهداف الباليستية أثناء مراحل طيرانها، وبالتالي يمكنه اكتشاف إطلاقات الصواريخ بعيدة المدى ومن ثم متابعة مساراتها لتوفير إنذار مبكر للقيادة الروسية. وفي الوقت نفسه يستطيع رصد الأهداف الإيروديناميكية، بما فيها الطائرات والصواريخ المجنحة، وهو ما يجعله جزءًا من شبكة أوسع لمراقبة المجال الجوي والفضائي وليس مجرد رادار مخصص للصواريخ الباليستية.
ومن الناحية الهندسية، يعتمد النظام على مصفوفة هوائيات ذات مسح إلكتروني بدلًا من الهوائيات الميكانيكية التقليدية، ما يسمح بتغيير اتجاه حزمة الرادار إلكترونيًا بسرعة كبيرة، ومراقبة قطاعات متعددة وإعادة توجيه الحزمة نحو الأهداف التي تحتاج إلى متابعة دقيقة. كما أن تصميم Voronezh يعتمد بدرجة كبيرة على المكونات الرقمية، وهو ما يسهل تحديث برمجياته ومعداته خلال فترة الخدمة.
وتبلغ زاوية الارتفاع المعلنة نحو 2–60 درجة، فيما تغطي المحطة قطاعًا واسعًا من السمت، وتصل قدرة النظام الكهربائية المستهلكة وفق بيانات منشورة إلى نحو 0.7 ميغاواط، وهي نقطة مهمة لأن رادارات الجيل الجديد من Voronezh صُممت لتكون أقل استهلاكًا للطاقة وأسرع في الإنشاء وأكثر قابلية للتحديث مقارنة بالرادارات الروسية السوفيتية الأقدم مثل Daryal وDnepr.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لـVoronezh-DM في أنه لا يعمل بصورة منفردة، بل يشكل جزءًا من شبكة الإنذار المبكر الروسية. وتستخدم موسكو هذه الشبكة لتغطية الاتجاهات المختلفة المحيطة بالأراضي الروسية، بحيث يمكن لمحطات الرادار البعيدة اكتشاف الأهداف القادمة من مناطق واسعة وتوفير إنذار مبكر قبل دخولها المجال الجوي الروسي. وتشير تقديرات حديثة إلى أن شبكة Voronezh أصبحت المكوّن الرئيسي في منظومة الإنذار الأرضية الروسية، لتحل تدريجيًا محل عدد من المحطات السوفيتية القديمة.
وبالتالي فإن Voronezh-DM ليس رادار دفاع جوي تكتيكيًا لتوجيه صاروخ اعتراضي مباشرة نحو هدف قريب، وإنما رادار استراتيجي للإنذار المبكر والرصد بعيد المدى؛ وتتمثل قيمته في قدرته على اكتشاف التهديدات على مسافات هائلة، وتتبع مئات الأهداف في الوقت نفسه، ومراقبة الصواريخ الباليستية والأهداف الجوية والفضائية، ثم تمرير بياناتها إلى منظومة القيادة والسيطرة والدفاع الصاروخي الروسية.
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com — للاطلاع على المادة الأصلية.




