
وهذا الجانب مهم عند قراءة الرسالة الروسية في مصر؛ فموسكو لا تسوق Su-57E باعتبارها طائرة منفردة، بل باعتبارها منظومة قتالية متكاملة تجمع بين المقاتلة والأسلحة بعيدة المدى والطائرات المسيرة والاستطلاع والحرب الإلكترونية، وهو نموذج تسويقي يتيح للدول الراغبة في تنويع مصادر تسليحها دراسة حزمة روسية متكاملة بدل شراء منصة جوية منفصلة.
مصر بين واشنطن وباريس وموسكو وبكين
تأتي هذه التطورات في وقت تمتلك فيه القوات الجوية المصرية أسطولًا متنوعًا للغاية، يجمع بين المقاتلات الأمريكية، وعلى رأسها إف-16، والمقاتلات الفرنسية رافال، إلى جانب مقاتلات روسية مثل ميغ-29إم/إم2 ومروحيات Ka-52.
وبالتالي فإن إدخال مقاتلة من الجيل الخامس روسية الصنع، إذا تحول مستقبلًا إلى قرار شراء، سيكون خطوة مختلفة تمامًا عن مجرد إضافة طائرة جديدة إلى الأسطول، لأنه سيعني إنشاء مسار لوجستي وفني جديد لطائرة ذات متطلبات تشغيل وصيانة وتدريب مختلفة.
على الرغم أن وجود “سو-57 إي” في مصر لا يثبت وجود قرار مصري بشرائها، لكن التطورات الأخيرة تضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد؛ فقد أعلنت «روسبورون إكسبورت» أن دفتر طلبياتها يتضمن عقود تصدير جديدة لمقاتلات Su-57E، مع التخطيط لبدء تنفيذ الالتزامات تجاه عملاء أجانب جدد خلال عام 2026. إلا أن موسكو لم تكشف حتى الآن عن هوية هذه الدول، أو عدد المقاتلات المتعاقد عليها، أو القيمة المالية للعقود.
وبالتالي، فإن وجود عقود تصدير جديدة أصبح مؤكدًا من الجانب الروسي، لكن لا يوجد إعلان رسمي يربط مصر بهذه العقود. فاختيار القاهرة لاستضافة أول ظهور أفريقي لـSu-57E، والعرض المكثف للمقاتلة والأسلحة الجديدة المرتبطة بها في معرض العلمين، يؤكد أهمية السوق المصرية بالنسبة لموسكو، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن مصر هي إحدى الدول التي وقعت عقودًا جديدة.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع استمرار روسيا في الترويج للمقاتلة باعتبارها منظومة متكاملة، حيث عرضت في العلمين إلى جانب Su-57E مجموعة من الأسلحة الجديدة، بينها منظومات S-71، فضلًا عن أسلحة جو-جو وجو-أرض، في محاولة لإظهار القدرات التي يمكن أن تحصل عليها الدول الراغبة في تشغيل المقاتلة.
تكلفة الجيل الخامس لا تتوقف عند سعر الطائرة


في حال قررت أي دولة اقتناء مقاتلة من الجيل الخامس، فإن التكلفة الحقيقية لا تقتصر على شراء الطائرات والصواريخ. فعملية الدمج تتطلب بنية تحتية متخصصة للصيانة والدعم الفني، ومعدات اختبار وتشخيص، ومنشآت ووسائل تدريب متقدمة، إضافة إلى تأهيل الطيارين والأطقم الفنية على التعامل مع أنظمة الاستشعار وإدارة المعركة والاتصالات والحرب الإلكترونية.
كما أن تشغيل مقاتلة منخفضة البصمة الرادارية يتطلب إجراءات صيانة مختلفة للحفاظ على خصائصها، بما في ذلك التعامل مع المواد والطلاءات المرتبطة بخفض البصمة الرادارية، فضلًا عن توفير مخزون من قطع الغيار ومعدات الاختبار والدعم الأرضي.
وهنا تظهر أهمية السيادة التقنية بالنسبة للدول التي تسعى إلى تنويع مصادر تسليحها. فاختيار مقاتلة متقدمة لا يتعلق فقط بمواصفاتها القتالية، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على تأمين دورة حياة المنظومة، وتدريب كوادرها، والحصول على قطع الغيار والدعم الفني، وإدارة التحديثات المستقبلية.
لماذا مصر مهمة لروسيا؟
موسكو تنظر إلى مصر باعتبارها بوابة مهمة إلى الأسواق الأفريقية والعربية. وقال المدير العام لـ«روس أوبورون إكسبورت» ألكسندر ميخييف، في معرض الحديث عن المشاركة الروسية في العلمين، إن مصر شريك استراتيجي مهم لروسيا، وإن المعرض يمثل فرصة لعرض أحدث المنتجات الروسية على مصر ودول أفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب مناقشة مشاريع التعاون الصناعي.
ولذلك فإن أهمية Su-57E في العلمين تتجاوز احتمال بيع عدد من الطائرات لمصر. فالمعرض وفر لموسكو فرصة لعرض منظومة كاملة من المنتجات أمام عشرات الوفود، من الطائرات المقاتلة إلى الدفاع الجوي والطائرات المسيرة والذخائر الدقيقة.
وفي هذا السياق، أعلنت «روس أوبورون إكسبورت» أنها كانت مستعدة لعقد مباحثات مع وفود الدول الصديقة بشأن المنتجات المعروضة، بما في ذلك مشاريع الشراكة الصناعية.
كما يكتسب ظهور Su-57E في مصر أهمية إضافية بسبب التنافس المتزايد على سوق الطائرات المقاتلة المتقدمة في أفريقيا. فالدول الأفريقية التي تسعى إلى تحديث قواتها الجوية تواجه معادلة معقدة: الحصول على قدرات متطورة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار التسليحي وتجنب الاعتماد الكامل على مورد واحد.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول مصر إلى سوق محورية للطائرات المقاتلة المتقدمة، ليس فقط بسبب حجم قواتها الجوية، وإنما بسبب موقعها الجغرافي وصلاتها العسكرية والصناعية الواسعة مع روسيا والصين والولايات المتحدة وفرنسا.
وقد عزز معرض العلمين هذا الاتجاه، إذ لم تكن Su-57E الطائرة الوحيدة التي جذبت الاهتمام؛ فقد شهد المعرض أيضًا حضورًا روسيًا وصينيًا وأمريكيًا، ما جعله منصة لعرض خيارات متعددة أمام الأسواق الإقليمية والأفريقية.
وتعمل موسكو نفسها حاليًا على توسيع سوق Su-57E عالميًا. ففي يوليو 2026، أعلنت «روس أوبورون إكسبورت» عن حملة تسويقية دولية للصاروخ RVV-SDM المصمم لتسليح Su-57E، وقالت إن هناك اهتمامًا متزايدًا عالميًا بالمقاتلة، مؤكدة استعدادها للتفاوض بشأن عقود توريد الطائرة والأسلحة الخاصة بها.
التصنيع المحلي.. الورقة الروسية لجذب مصر


وقد لا تقتصر جاذبية Su-57E بالنسبة لمصر، في حال تطورت الاتصالات إلى مفاوضات رسمية، على امتلاك مقاتلة من الجيل الخامس، إذ يمكن أن يمثل التصنيع المحلي وتوطين التكنولوجيا أحد أهم العوامل التي قد تستخدمها موسكو لجذب القاهرة إلى المنظومة الروسية.
فروسيا تدرك أن مصر لا تبحث فقط عن شراء منصات قتالية جاهزة، وإنما تعمل منذ سنوات على توسيع قدراتها الصناعية والدخول تدريجيًا في مراحل أكثر تقدمًا من إنتاج وصيانة وتطوير المعدات العسكرية. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تكون الشراكة الصناعية المصاحبة لأي صفقة مستقبلية لـSu-57E أكثر أهمية من مجرد عدد الطائرات التي سيتم توريدها.
وقد تتيح هذه الشراكة، من حيث المبدأ، نقل جزء من الخبرات والتقنيات المرتبطة بتجميع الطائرة وصيانتها وإدامتها، إلى جانب تدريب الكوادر المصرية وتطوير البنية التحتية اللازمة لدعم المقاتلة محليًا. وفي مرحلة أكثر تقدمًا، يمكن أن تمتد الشراكة إلى تصنيع بعض المكونات أو الأنظمة وفقًا لما تسمح به موسكو وطبيعة الاتفاق النهائي.
وتحظى هذه المسألة بأهمية خاصة بالنسبة لمصر، لأن امتلاك قاعدة صناعية قادرة على دعم مقاتلة من الجيل الخامس سيمنح القاهرة خبرة تقنية يمكن توظيفها لاحقًا في برامج طيران قتالي محلية أو مشتركة، بدل الاكتفاء بدور المستخدم النهائي للطائرة.
كما أن روسيا بدأت بالفعل في استخدام التعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا كجزء من عروضها التصديرية للمقاتلة في أسواق أخرى. وتظهر التقارير المتعلقة بالمفاوضات الروسية-الهندية حول سو-57 أن خيار الإنتاج المرخص والتوطين الصناعي يمثل عنصرًا مهمًا في العرض الروسي، بما يشمل بحث إمكانية تصنيع الطائرة محليًا وتوسيع مشاركة الصناعة الهندية في البرنامج.
ومن هنا، فإن طرح نموذج مشابه أمام مصر، إذا دخلت القاهرة في مفاوضات رسمية، قد يمنح موسكو ورقة إضافية في مواجهة المنافسة الغربية والصينية على سوق المقاتلات المتقدمة. فالقيمة بالنسبة لمصر لن تكون عندئذٍ محصورة في الحصول على مقاتلة شبحية أسرع من الصوت، وإنما في الوصول إلى قاعدة تقنية وصناعية مرتبطة بطائرة من الجيل الخامس.
وبذلك يمكن قراءة ظهور Su-57E في العلمين باعتباره إشارة إلى دخول مصر بقوة في قلب المنافسة على سوق مقاتلات الجيل الخامس في المنطقة.
فإذا انتقلت القاهرة مستقبلًا من مرحلة استضافة الطائرة ومشاهدتها إلى مرحلة التفاوض أو التعاقد، فإن ذلك سيكون تحولًا كبيرًا في بنية القوة الجوية المصرية، وسيطرح ملفات تتجاوز اختيار المقاتلة نفسها، لتشمل البنية التحتية والتدريب والصيانة والتسليح ونقل التكنولوجيا والتوازن بين الموردين الغربيين والشرقيين.
أما في الوقت الحالي، فإن الرسالة الأكثر وضوحًا من العلمين هي أن مصر أصبحت ساحة رئيسية للتنافس الدولي على مستقبل الطيران العسكري في أفريقيا والشرق الأوسط، وأن روسيا تريد أن تكون Su-57E إحدى أبرز أوراقها في هذا السباق.




www.defense-arabic.com



