ولم يكن توجه الرياض للحصول على المقاتلة الأمريكية من الجيل الخامس مفاجئًا، إذ سعت المملكة منذ سنوات إلى امتلاك هذه المنظومة المتقدمة، فيما أصبحت التطورات الإقليمية، بما فيها التوتر مع إيران وتهديدات الحوثيين وتداعيات الصراع الإقليمي، عوامل إضافية تدفع باتجاه تعزيز قدراتها العسكرية.
ولا تقتصر أهمية الصفقة، التي تبلغ قيمتها نحو 24 مليار دولار، على الحصول على 48 مقاتلة F-35A وما يرافقها من أنظمة وتجهيزات، بل تمتد إلى ما يمكن أن تفتحه من آفاق أوسع للتعاون الدفاعي والأمني والتقني بين السعودية والولايات المتحدة، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين خلال السنوات المقبلة.
ماذا تتضمن صفقة إف-35 السعودية؟
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 17 سبتمبر أن صفقة مقاتلات F-35A المقترحة تهدف إلى دعم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة، وتعزيز أمن السعودية، التي تنظر إليها واشنطن باعتبارها شريكًا رئيسيًا وقوة مهمة للاستقرار السياسي والاقتصادي في منطقة الخليج.
ولا تقتصر الصفقة على الحصول على مقاتلات من الجيل الخامس، بل تشمل حزمة متكاملة من التدريب وقطع الغيار والدعم اللوجستي والمعدات والأنظمة المتقدمة اللازمة لتشغيل الطائرة بكفاءة، بما يعزز قدرة القوات الجوية السعودية على الاستفادة الكاملة من هذه المنظومة المتطورة.
وتأتي صفقة الإف-35 في صميم منظومة أوسع من العلاقات الاستراتيجية بين السعودية والولايات المتحدة، وتمثل أحد أبرز مؤشرات تطور التعاون الدفاعي والتكنولوجي بين البلدين.
كما ترتبط الصفقة بالسياق الاقتصادي الأوسع للعلاقات الثنائية. فمنذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ركزت الإدارة الأمريكية على تعزيز الشراكة الاقتصادية مع الرياض، في وقت أعلنت فيه واشنطن عن التزام سعودي باستثمارات تصل إلى 600 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي.
ومن هذا المنظور، تمثل صفقة إف-35 أكثر من مجرد عملية لشراء مقاتلات متقدمة؛ فهي جزء من شراكة استراتيجية متنامية تجمع بين التعاون الدفاعي والاستثمارات والتكنولوجيا والطاقة والملفات الاقتصادية.
وينطبق الأمر ذاته على التعاون النووي المدني، الذي يشكل أحد الملفات المهمة في المفاوضات السعودية-الأمريكية، ويفتح المجال أمام شراكة تقنية واقتصادية طويلة الأمد في قطاع استراتيجي بالنسبة للمملكة.
إف-35
كيف ستتعامل واشنطن مع التفوق العسكري الإسرائيلي؟
هناك عامل آخر بالغ الأهمية يتمثل في السياسة الأمريكية الخاصة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل (QME)، إذ تلتزم واشنطن بمراعاة عدم تقويض التفوق العسكري الإسرائيلي عند إبرام صفقات تسليح متقدمة مع دول أخرى في الشرق الأوسط.
وبناءً على ذلك، فإن حصول السعودية على مقاتلات F-35A قد يدفع الولايات المتحدة إلى تعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية عبر صفقات وأنظمة متقدمة إضافية، بما يحافظ على الفارق النوعي في القدرات بين إسرائيل ودول المنطقة.
وقد تشمل هذه التعزيزات منظومات متطورة للدفاع الجوي والصاروخي، وقدرات بحرية إضافية، إلى جانب مقاتلات الجيل السادس F-47 التي تطورها شركة بوينغ لصالح القوات الجوية الأمريكية، فضلًا عن أسلحة وتقنيات متقدمة أخرى.
تمتلك إسرائيل حاليًا أسطولًا من مقاتلات إف-35، ومن المتوقع أن يتوسع هذا الأسطول بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع حصولها على النسخة الأحدث من مقاتلات F-15.
حاليًا، إسرائيل لديها 50 مقاتلة F-35I Adir متعاقدًا عليها، وقد وصلت بالفعل إلى 48 طائرة وفق آخر بيانات منشورة في 2026، مع بقاء طائرتين من الطلبية الأصلية للتسليم. كما وقّعت إسرائيل في 2024 على شراء 25 مقاتلة إضافية، ليرتفع إجمالي الأسطول المتعاقد عليه إلى 75 مقاتلة F-35I.
والأهم أن إسرائيل وافقت في مايو 2026 على إنشاء سرب رابع من F-35I ، ما يعني أن العدد المستهدف سيرتفع لاحقًا إلى 100 مقاتلة، باحتساب السرب الجديد.
أما بالنسبة إلى F-15IA ، فقد وقّعت إسرائيل عقدًا لـ25 مقاتلة جديدة، مع خيار لإضافة 25 أخرى، بينما وافقت في 2026 على سرب ثانٍ من F-15IA ، ما يضع الهدف المستقبلي عند 50 مقاتلة F-15IA
تركيا ومعاهدة مكة
هناك بعد آخر يتعلق بالعلاقات السعودية-التركية.
ففي 7 أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا اتفاقية دفاع مشترك في مكة، في خطوة تعكس تنامي التعاون الأمني والعسكري بين البلدين.
ومن منظور أنقرة، فإن تعزيز التعاون الدفاعي مع الرياض يمكن أن يشكل جزءًا من ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، خصوصًا في ظل وجود مصالح مشتركة في مجالات الصناعات الدفاعية والتقنيات العسكرية.
ومن هنا تبرز أهمية مستقبل التعاون بين السعودية وتركيا في مجال المقاتلات.
فقد ارتبط اسم السعودية خلال السنوات الماضية بمشروع المقاتلة التركية الشبحية من الجيل الخامس كآن/قآن (KAAN)، سواء من خلال التعاون الصناعي المحتمل أو المشاركة في تطوير قدرات دفاعية وجوية متقدمة.
امتلاك إف-35 لا يعني بالضرورة التخلي عن كآن، إذ يمكن للرياض أن تنظر إلى الطائرتين ضمن إطار مختلف.
فالـ إف-35 توفر قدرة قتالية متقدمة في المدى القصير والمتوسط، بينما يمكن لمشروع كآن، إذا تطور التعاون السعودي-التركي، أن يوفر للمملكة منصة ذات مستوى أعلى من الاستقلال الصناعي والسيادي على المدى الطويل.
وهذه النقطة مهمة بالنسبة لأي دولة تسعى إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية محلية وتقليل اعتمادها على مورد واحد.
لماذا قد تستمر السعودية في الاهتمام بـ كآن؟
رغم الحصول المحتمل على إف-35، قد تظل المقاتلة التركية خيارًا استراتيجيًا بالنسبة للسعودية لعدة أسباب.
أولًا، المشاركة في برنامج مقاتلة من الجيل الخامس تمنح الرياض فرصة لتعزيز خبراتها الصناعية والتكنولوجية، بدل الاكتفاء بدور المستخدم النهائي لمنظومة أجنبية.
ثانيًا، تنويع مصادر التسليح يمكن أن يمنح السعودية هامشًا أكبر في اتخاذ القرار العسكري، خصوصًا عندما تتباين أولويات الدول الموردة مع حسابات الدولة المستوردة.
وثالثًا، يمكن للتعاون مع تركيا وباكستان في مشاريع الطيران القتالي المتقدمة أن يفتح المجال أمام نموذج مختلف من الشراكة الدفاعية، يقوم على الإنتاج والتطوير المشترك وليس فقط على شراء المنظومات الجاهزة.
وهذا لا يعني أن كآن بديل مباشر للإف-35؛ فكل منهما يمثل مشروعًا مختلفًا من حيث التطوير والمنظومة الصناعية والقدرات والتكامل مع شبكات القيادة والسيطرة والأسلحة.
24 مليار دولار.. ماذا تشتري السعودية فعليًا؟
القيمة المعلنة للصفقة، البالغة نحو 24 مليار دولار مقابل 48 مقاتلة F-35A ، لا تعني حصول السعودية على مقاتلات متقدمة فحسب، بل تشمل منظومة متكاملة من القدرات والتجهيزات والدعم المرتبط بتشغيلها.
فالصفقة تعني إدخال منظومة متكاملة تشمل التدريب والدعم والصيانة وقطع الغيار والأنظمة المرتبطة بالتشغيل، فضلًا عن دمج المقاتلة ضمن شبكة القيادة والسيطرة والدفاع الجوي والاستطلاع السعودية.
لكن في المقابل، فإن تشغيل إف-35 يرتبط بعلاقة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، نظرًا إلى طبيعة البرنامج واعتماده على منظومة عالمية واسعة للصيانة والدعم والبرمجيات والتحديثات وقطع الغيار.
وهنا تكمن إحدى أهم القضايا الاستراتيجية بالنسبة للرياض: كيف يمكن الجمع بين الحصول على أحدث القدرات الأمريكية والمحافظة في الوقت نفسه على هامش واسع من الاستقلال الاستراتيجي؟
من منظور عسكري بحت، تمثل إف-35 إضافة كبيرة إلى قدرات أي قوة جوية، خصوصًا في مجالات التخفي والاستشعار ودمج المعلومات والعمليات الشبكية.
لكن الأبعاد الاستراتيجية للصفقة أوسع بكثير من مواصفات الطائرة.
فالسعودية تتحرك منذ سنوات باتجاه تنويع شراكاتها الدفاعية والاقتصادية، وتطوير صناعتها العسكرية، وتعزيز علاقاتها مع قوى متعددة مثل الولايات المتحدة وتركيا والصين وغيرها.
وفي هذا السياق، يمكن أن تصبح صفقة إف-35 إحدى ركائز القوة الجوية السعودية، من دون أن تكون بالضرورة الإطار الوحيد لعلاقات المملكة الدفاعية.
أما الملفات المرتبطة بإسرائيل، والتعاون النووي، والعلاقات مع الصين، واتفاقية مكة، والتعاون الصناعي مع تركيا، فستظل عناصر منفصلة نسبيًا لكنها مترابطة داخل المشهد الاستراتيجي الأوسع.
وفي النهاية، فإن قيمة صفقة إف-35 بالنسبة للسعودية لا تقاس فقط بسعر الطائرات البالغ نحو 24 مليار دولار، بل أيضًا بطبيعة العلاقة طويلة الأمد التي ستنشأ حولها.
فالطائرة تمنح الرياض قفزة نوعية في القدرات الجوية والاستطلاع والعمليات الشبكية، فيما تفتح الصفقة أمام السعودية آفاقًا أوسع للتعاون الدفاعي والتقني مع الولايات المتحدة، وتعزز موقعها كقوة جوية رئيسية في المنطقة، بما يمنحها قدرة أكبر على حماية أجوائها ومصالحها الاستراتيجية والتعامل مع التحديات الأمنية المتغيرة خلال العقود المقبلة.
