


موقع الدفاع العربي – 5 سبتمبر 2026: تُعد المقاتلة الصينية J-16 واحدة من أهم ركائز القوة الجوية الصينية، وتأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد مقاتلة الجيل الخامس J-20. ورغم تصنيفها ضمن مقاتلات الجيل الرابع المتقدم، فإنها اكتسبت سمعة لافتة لدى دوائر عسكرية غربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، بسبب مزيج القدرات التي تجمعها في منصة واحدة. فما الذي جعل J-16 تحقق هذا النجاح وتحتل هذه المكانة داخل القوات الجوية الصينية؟
نجاح أي مقاتلة لا يرتبط فقط بامتلاكها أحدث التقنيات، بل بقدرتها على تقديم ميزة عملياتية واضحة. فمقاتلة مثل F-16 نجحت عالميًا بفضل انخفاض تكلفتها وسهولة تشغيلها، بينما اكتسبت عائلة Su-27 شهرتها بفضل تصميمها الإيروديناميكي وأدائها الجوي. أما J-16، فقد بنت نجاحها على مفهوم مختلف يتمثل في الجمع بين المدى والحمولة والتعددية والقدرات الإلكترونية ضمن منصة واحدة.
تمثل J-16 أحدث مراحل التطوير الصيني لعائلة Su-27، وهي نتيجة سنوات طويلة من الخبرة الصينية في تشغيل وتطوير هذه الطائرات. ومع استمرار الصين في تطوير المقاتلة، أصبحت المنصة مختلفة بشكل كبير عن أصولها الروسية، سواء من ناحية الإلكترونيات أو أنظمة الاستشعار أو التسليح أو قدرات الحرب الإلكترونية.
والأهم أن ظهور J-16 جاء في الوقت الذي كانت فيه الصين تدفع بقوة نحو إنتاج ونشر J-20، ما جعل وجود مقاتلة من الجيل الرابع المتقدم إلى جانب مقاتلة شبحية من الجيل الخامس يبدو للوهلة الأولى أمرًا متناقضًا. إلا أن العقيدة الصينية لا تنظر إلى J-16 باعتبارها منافسًا لـJ-20، بل كمنصة يمكن أن تكملها وتضاعف فعاليتها في العمليات الجوية.
تتميز J-16 بقدرتها على تنفيذ مجموعة واسعة من المهام، فهي ليست مقاتلة تفوق جوي فقط، وإنما منصة متعددة المهام قادرة على تنفيذ الضربات ضد الأهداف البرية والبحرية، إلى جانب مهام القتال الجوي. كما تمنحها حمولتها الكبيرة قدرة على حمل كميات ضخمة من الأسلحة والوقود، وهو ما يوفر لها قوة نارية ومدى عملياتيًا كبيرين مقارنة بالعديد من المقاتلات متعددة المهام.
وتزداد أهمية هذه القدرات عند دمجها مع أنظمة الاستشعار والتسليح الحديثة. فالمقاتلة تستطيع العمل كمنصة لإطلاق عدد كبير من الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى، ما يسمح لها بالمساهمة في تنفيذ هجمات جوية كثيفة، سواء بصورة مستقلة أو ضمن تشكيلات مختلطة مع مقاتلات أخرى.


لكن إحدى أبرز نقاط قوة J-16 تكمن في الحرب الإلكترونية، خصوصًا في النسخة المتخصصة ي-16د. وتمنح هذه القدرات الصين خيار استخدام مقاتلات J-16 في بيئة قتالية معقدة تستهدف فيها رادارات الخصم وشبكات الاتصالات وأنظمة القيادة والسيطرة. وفي الحروب الجوية الحديثة، قد يكون تعطيل شبكة الاستشعار والاتصالات للخصم بنفس أهمية تدمير الطائرات نفسها.
وهنا تظهر فلسفة مختلفة عن محاولة جعل مقاتلة واحدة متفوقة في كل شيء. فبدلًا من الاعتماد على منصة واحدة، تستطيع الصين توزيع المهام بين مقاتلاتها، بحيث تستفيد J-20 من التخفي وقدرات اختراق المجال الجوي، بينما توفر J-16 الحمولة الكبيرة والمدى والقدرة على إطلاق كميات ضخمة من الأسلحة، إلى جانب توفير الدعم الإلكتروني في بعض التشكيلات.
وتبرز هذه النقطة عند مقارنتها بفكرة المقاتلة متعددة المهام التي تبناها برنامج إف-35 الأمريكي. فقد صُممت الإف-35 لتكون منصة قادرة على أداء طيف واسع من المهام، إلا أن طبيعة تصميمها ومتطلبات التخفي والحمولة الداخلية والسرعة والمناورة تفرض مفاضلات بين هذه المهام. أما J-16 فتتبنى فلسفة مختلفة، إذ تستفيد من حجمها الكبير وقدرتها العالية على حمل الأسلحة والوقود، مع الاعتماد على مقاتلات شبحية مثل J-20 لتوفير عناصر أخرى من القوة الجوية.
وبذلك، فإن قوة J-16 لا تكمن بالضرورة في كونها أفضل مقاتلة في كل مجال، وإنما في قدرتها على القيام بعدد كبير من الأدوار بكفاءة، مع الحفاظ على تكلفة تشغيل وإنتاج أقرب إلى مقاتلات الجيل الرابع المتقدم مقارنة بالمقاتلات الشبحية الأكثر تعقيدًا.
ومع تطور العقيدة الجوية الصينية وتزايد الاعتماد على العمليات الشبكية، من المرجح أن تزداد أهمية J-16 خلال السنوات المقبلة. فالمقاتلة تمتلك المقومات التي تسمح لها بالعمل ضمن منظومة متكاملة تضم J-20 والطائرات الإنذار المبكر والاستطلاع والحرب الإلكترونية والطائرات غير المأهولة.
قد لا يكون مستقبل J-16 مرتبطًا بمنافستها لمقاتلات الجيل الخامس، بل بقدرتها على مضاعفة فعالية هذه المقاتلات والعمل معها ضمن شبكة قتالية واحدة. وهذا تحديدًا ما يجعلها واحدة من أهم المنصات القتالية في استراتيجية القوة الجوية الصينية، رغم بقائها في تصنيف مقاتلات الجيل الرابع المتقدم.


في 23 أغسطس 2026، شاركت مقاتلات J-16 الصينية في مناورات «نسور الحضارة 2026» مع القوات الجوية المصرية، في أول انتشار معروف لهذا الطراز في القارة الأفريقية. ولم يكن الانتشار مجرد رحلة نقل للمقاتلات، إذ قطعت القوة الجوية الصينية أكثر من 6,000 كيلومتر خلال نحو 9 ساعات للوصول إلى مصر، مع تنفيذ عمليات تزود بالوقود جوًا بواسطة الناقلة الصينية YY-20A أثناء الرحلة. وتشير التقارير إلى مشاركة ست مقاتلات J-16 على الأقل، إلى جانب طائرات النقل Y-20A والإنذار المبكر والسيطرة KJ-500 ومنصة الحرب الإلكترونية Y-9LG والمروحية Z-20، بما يعكس قدرة الصين على نشر حزمة جوية متكاملة بعيدًا عن قواعدها الأصلية.
الأكثر أهمية أن J-16 دخلت خلال المناورات في تدريبات قتال جوي محاكية مع مقاتلات رافال وميغ-29 المصرية، وشملت السيناريوهات اشتباكات جو-جو على مسافات قصيرة ومتوسطة، بدأت بمواجهات واحد ضد واحد ثم توسعت إلى تشكيلات أكبر. كما أن المواجهة التدريبية بين J-16 والرافال كانت لافتة بشكل خاص، لأنها أتاحت للطيارين الصينيين فرصة التدريب مباشرة ضد مقاتلة غربية متقدمة لا تشغلها القوات الجوية الصينية. ولم يتم الإعلان عن نتائج أو تفوق طرف على الآخر، إذ كان الهدف تدريبياً وليس إجراء مواجهة حقيقية.
واللافت أن قيمة المشاركة تجاوزت المقاتلات نفسها، إذ أظهرت المناورة قدرة الصين على إدارة عملية انتشار جوي بعيدة المدى تشمل المقاتلات والتزود بالوقود والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والنقل الجوي. وهذا يجعل مشاركة J-16 في مصر اختبارًا عمليًا لقدرة القوات الجوية الصينية على تنفيذ عمليات جوية مركبة خارج نطاقها الجغرافي المعتاد، وليس مجرد استعراض لمقاتلة واحدة.
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com — للاطلاع على المادة الأصلية.




