
واصل الجنيه المصري التراجع مقابل الدولار، مسجلاً أدنى مستوى تاريخي أمام العملة الأميركية خلال تعاملات اليوم الأحد، متأثراً بخروج استثمارات أجنبية من أذون الخزانة المحلية، وزيادة الطلب على النقد الأجنبي، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية بالمنطقة وارتفاع فاتورة الاستيراد.
تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار بنحو 7% خلال الشهر الجاري ليسجل 55.77 جنيه للشراء و55.87 جنيه للبيع خلال تعاملات اليوم لدى البنوك الحكومية.
طالع أيضاً: الجنيه المصري يتراجع إلى أدنى مستوى على الإطلاق وسط اضطرابات الشرق الأوسط
وقال مصرفيون لـ”الشرق بلومبرغ” إن خروج مستثمرين أجانب بوتيرة سريعة من أذون الخزانة المحلية زاد الضغوط على الجنيه، في وقت تشهد فيه سوق الصرف ارتفاعاً في الطلب على الدولار.
سجل المستثمرون الأجانب صافي خروج بنحو 2.1 مليار دولار من استثماراتهم في أذون الخزانة المحلية خلال الأسبوع الماضي، بحسب بيانات البورصة المصرية.
في مؤشر على زيادة الطلب على العملة الأمريكية بين البنوك، ارتفعت معاملات الإنتربنك بنحو 62% خلال الأسبوع الماضي، لتصل إلى 3.12 مليار دولار، مقابل 1.93 مليار دولار في الأسبوع السابق، بالتزامن مع خروج جزئي للاستثمارات الأجنبية.
عجز الميزان التجاري وضغوط الاستيراد
يرتبط تراجع الجنيه بالضغوط المزمنة على ميزان المدفوعات، في ظل اتساع العجز التجاري والفجوة بين قيمة الواردات والصادرات، بحسب أحمد عبد النبي، رئيس قطاع البحوث في شركة مباشر لتداول الأوراق المالية، موضحاً أن التوترات الجيوسياسية بالمنطقة تسببت في اضطرابات الإمدادات وارتفاع أسعار النفط، ما زاد تكلفة الواردات والطلب على النقد الأجنبي.
بحسب بيانات البنك المركزي، وصل عجز الميزان التجاري لمصر خلال العام المالي الماضي إلى نحو 65 مليار دولار، نتيجة تفاقم فاتورة الاستيراد وتجاوزها مستوى 100 مليار دولار. وتزامن ذلك مع ارتفاع العجز في الميزان التجاري البترولي بنحو 31.5%، ليسجل نحو 18.3 مليار دولار، نتيجة أساسية لارتفاع الواردات البترولية إلى نحو 25 مليار دولار، بزيادة 28% على أساس سنوي.
عبد النبي أعتبر أن تحديد اتجاه الدولار خلال الفترة المقبلة لا يزال صعباً، في ظل تعقد الأوضاع الإقليمية وعدم وضوح أفق انتهاء الصراع، مشيراً إلى أن تراجع قيمة الجنيه يزيد مخاوف المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المحلية من تكبد خسائر إضافية نتيجة تغيرات سعر الصرف، فضلاً عن صعوبة التنبؤ بمسار العملة.
لكنه في المقابل، لفت إلى أن ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، يمثل عاملاً داعماً لتدفقات النقد الأجنبي ويحد من الضغوط على الجنيه.
ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى نحو 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، مسجلة زيادة بنسبة 29.6% مقارنة بنحو 36.5 مليار دولار خلال السنة المالية السابقة.
اقرأ المزيد: “إي إف جي هيرميس”: تحويلات المصريين تحافظ على زخمها بدعم من الاقتصاد السعودي
مخاطر جيوسياسية وخروج من أدوات الدين
بدورها، قالت إسراء أحمد، اقتصادية أولى في شركة ثاندر لتداول الأوراق المالية، إن تراجع الجنيه أمام الدولار خلال الفترة الأخيرة يرتبط بتصاعد المخاطر الجيوسياسية، وخروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، ما يزيد الطلب على النقد الأجنبي ويضغط على سوق الصرف.
وأضافت لـ”الشرق بلومبرغ” أن تحركات الجنيه في بداية الأزمة ارتبطت بدرجة كبيرة بأداء الدولار عالمياً، إذ تزامن ارتفاع العملة الأمريكية أمام الجنيه مع صعود مؤشر الدولار، لكن الفترة الأخيرة شهدت زيادة في المخاطر المرتبطة بالسوق المصرية تحديداً.
سجلت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية مستوى قياسياً جديداً بنهاية يونيو 2026، بعدما قفزت إلى 55.1 مليار دولار، مع عودة التدفقات التي خرجت من السوق خلال موجة التوترات الجيوسياسية بين أميركا وإيران، في تحول يعكس عودة قوية لشهية المستثمرين الأجانب تجاه أدوات الدين المحلية.
وأوضحت أن احتمالات انخراط مصر في ترتيبات دفاعية إقليمية، عززت حالة عدم اليقين بشأن أي تحركات عسكرية محتملة وتداعياتها، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى تقليص انكشافهم على الأصول المحلية، مشيرة إلى أن هذه المخاوف انعكست على تعاملات السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومية، مع رصد عمليات خروج من أذون وسندات الخزانة.
قد يهمك: السيسي يدعو البرلمان لجلسة طارئة حال طلب السعودية دعماً دفاعياً
سوق الدين المحلية في مصر عادة ما تكون أكثر حساسية، نظراً إلى تأثر قرارات المستثمرين في أدوات الدخل الثابت بعوامل متعددة، تشمل التضخم وأسعار الفائدة ومستويات الدين والمخاطر الجيوسياسية، بحسب إسراء أحمد.
أظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع استثمارات الأجانب في أذون الخزانة بنحو 52.7% خلال الربع الثاني من العام، بزيادة تقارب 19 مليار دولار مقارنة بنهاية مارس، لتتجاوز بذلك مستوياتها السابقة لموجة التخارج التي شهدتها السوق مع تصاعد المخاوف الإقليمية.
الدولار قد يواصل الصعود
تجاوز الدولار مستوى 56 جنيهاً قد يفتح المجال لمزيد من التراجع في قيمة الجنيه، وفقاً لحدة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، بحسب الخبير المصرفي محمد عبد العال، مضيفاً أن السوق تشهد حالياً حركة نشطة لخروج المستثمرين الأجانب، لكنها لم تصل، وفق تقديره، إلى مستوى الخروج الجماعي من البورصة، كما أن ضغوط الاستيراد تمثل عاملاً إضافياً يؤثر في سوق الصرف.
تظل تحركات الجنيه خلال الفترة المقبلة مرتبطة بتطورات الأوضاع الجيوسياسية، وحجم تدفقات الاستثمار الأجنبي، واتجاهات أسعار الطاقة، إلى جانب تطورات الطلب على الدولار لتلبية احتياجات الاستيراد والالتزامات الخارجية.



