منظومة الدفاع الجوي الصينية الرئيسية تثبت قدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية عالية المناورة.
موقع الدفاع العربي – 7 نوفمبر 2026: نفذت منظومة الصواريخ أرض-جو الصينية «HQ-9B» التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني عمليتي اعتراض ناجحتين ضد أهداف صاروخية باليستية، في اختبار يسلط الضوء على القدرات المتنامية لمنظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى الرئيسية في الخدمة الصينية.
وخلال الاختبار، غيّر أحد الصواريخ مساره وانحرف بشكل حاد نحو الأسفل أثناء الطيران، ما اضطر وحدة الدفاع الجوي إلى إطلاق صاروخ اعتراضي ضمن نافذة اشتباك زمنية ضيقة للغاية.
وتقدم هذه التجربة مؤشراً على القدرات التي تعمل القوات الصينية على تطويرها لمواجهة الصواريخ التي تتبع مسارات طيران أكثر صعوبة في التنبؤ بها. كما أظهر المسار غير المتوقع للصاروخ أهمية سرعة تقييم التهديد واتخاذ قرار الاشتباك عند مواجهة أهداف صاروخية قادرة على المناورة.
وكان من أبرز الجوانب المهمة في عملية الاعتراض المعلنة قدرة الصاروخ الاعتراضي على الاستجابة للتغيرات المفاجئة في مسار الهدف.
ويُعد اعتراض الصواريخ الباليستية التقليدية مهمة معقدة من الناحية التقنية، نظراً إلى السرعات العالية للغاية التي تتحرك بها الرؤوس الحربية القادمة، ما يترك أمام منظومات الدفاع الجوي وقتاً محدوداً لاكتشافها وتتبعها والاشتباك معها.
وتضيف الأهداف القادرة على المناورة تحدياً إضافياً، إذ تجعل مساراتها المستقبلية أقل قابلية للتنبؤ، وهو ما قد يقلل من فعالية حلول الاعتراض التي تعتمد على الحسابات التقليدية لمسارات الصواريخ الباليستية.
ونفذت عملية الاشتباك كتيبة «شينوي» الصاروخية التابعة للقوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني. ووفقاً لأفراد عسكريين أجرت معهم هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية CCTV مقابلات، لم تكن الوحدة قد أُبلغت مسبقاً بنوع الأهداف المحددة التي ستُكلف باعتراضها.
وخلال الاشتباك، غيّر أحد الصواريخ القادمة اتجاهه بصورة مفاجئة، وانخفض بسرعة كبيرة، ما أجبر الوحدة على اتخاذ قرار فوري بالإطلاق.
وأكد أفراد الكتيبة أن أي تأخير لمدة ثانية أو ثانيتين كان من الممكن أن يؤدي إلى ضياع فرصة الاعتراض.
وتبرز أهمية عملية الاعتراض المعلنة في ظل التقدم المتسارع في تطوير المركبات الانزلاقية فرط الصوتية والرؤوس الحربية القادرة على المناورة خلال مرحلة العودة إلى الغلاف الجوي، فضلاً عن ظهور تقنيات متطورة للصواريخ الباليستية تزيد من صعوبة اكتشافها وتتبعها واعتراضها.
وتستثمر عدة دول في تطوير أنظمة مصممة لتغيير مساراتها خلال المرحلة النهائية من الطيران، ما يجعلها أكثر صعوبة في التنبؤ والاعتراض مقارنة بالرؤوس الحربية الباليستية التقليدية.
وتُظهر منظومة «دف-17» الصينية المزودة بمركبة انزلاقية فرط صوتية، إلى جانب برامج الصواريخ المتقدمة الأخرى، الأهمية التي توليها بكين لتطوير أسلحة قادرة على اختراق شبكات الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي المتطورة بصورة متزايدة.
وبالتالي، فإن القدرة على اعتراض أهداف تنفذ مناورات كبيرة أثناء الطيران تمثل قدرة مهمة لحماية المنشآت العسكرية ومراكز القيادة والبنية التحتية ذات الأهمية الاستراتيجية من الهجمات الصاروخية المتقدمة.
وتشكل منظومة «المقر الرئيسي-9ب» جزءاً من جهود صينية أوسع لتطوير بنية دفاع جوي ودفاع صاروخي متعددة الطبقات، تضم عدة فئات مختلفة من الصواريخ الاعتراضية.
وفي الآونة الأخيرة، دخلت منظومات جديدة مخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية ضمن الطبقات الدفاعية العليا الخدمة، وأبرزها «المقر الرئيسي-19“و”المقر الرئيسي-29»، حيث تُعد الأخيرة، وفقاً للتقرير، المنظومة الوحيدة خارج روسيا القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، مع اعتمادها على منصة إطلاق متحركة على الطرق.
وقد أثارت عملية الاعتراض الأخيرة، إلى جانب التحديثات المستمرة لمنظومة «HQ-9»، تكهنات بشأن إمكانية وصول المنظومة مستقبلاً إلى القدرة على الاشتباك مع المركبات الانزلاقية فرط الصوتية، ربما من خلال دمج أجيال جديدة من الصواريخ الاعتراضية وتحديث البرمجيات.
وتفرض المركبات الانزلاقية فرط الصوتية تحديات بالغة الصعوبة، إذ تجمع بين السرعات العالية للغاية والقدرة على المناورة عبر مسارات طيران أقل قابلية للتنبؤ، ما قد يعقد عمليات التتبع الراداري ويقلص الوقت المتاح لتنفيذ عملية الاعتراض.
ويمثل نجاح منظومة «HQ-9B» في اعتراض هدف باليستي قادر على المناورة مؤشراً مهماً على تطور قدرات الدفاع الصاروخي الصينية، ويعزز الأسس التقنية التي يمكن البناء عليها مستقبلاً لتوسيع نطاق التهديدات التي تستطيع المنظومة التعامل معها، بما في ذلك المركبات الانزلاقية فرط الصوتية.
وتُعد «HQ-9B» من أكثر منظومات الدفاع الجوي الصينية تطوراً، وهي النسخة المحسنة من عائلة HQ-9، بينما تُعرف النسخة المخصصة للتصدير باسم «FD-2000B». وقد صُممت للتعامل مع مجموعة واسعة من التهديدات الجوية، تشمل الطائرات المقاتلة والقاذفات وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة، إضافة إلى امتلاكها قدرات محدودة في مواجهة بعض الصواريخ الباليستية.
وتتراوح تقديرات مدى الاشتباك للنسخة التصديرية بين 200 و260 كيلومتراً، بحسب نوع الصاروخ والهدف وظروف الاشتباك، فيما تشير بعض المواصفات للنسخة الصينية إلى مدى أكبر قد يصل إلى نحو 300 كيلومتر أو أكثر. كما تستطيع المنظومة الاشتباك مع أهداف على ارتفاعات تصل إلى نحو 27-30 كيلومتراً، ما يضعها ضمن فئة أنظمة الدفاع الجوي الاستراتيجية بعيدة المدى.
وتعتمد المنظومة على شبكة متكاملة من الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة ومنصات الإطلاق المتحركة، بما يسمح بتوزيع البطاريات في مواقع مختلفة وتوفير تغطية دفاعية واسعة، مع إمكانية نقلها وإعادة انتشارها وفقاً للمتطلبات العملياتية.
المغرب.. أول دولة عربية تشغّل النسخة التصديرية FD-2000B
يُعد المغرب من أوائل الدول العربية التي اتجهت إلى اقتناء منظومة الدفاع الجوي الصينية بعيدة المدى، حيث تعاقدت المملكة مع الصين عام 2017 على شراء أربع بطاريات من منظومة «FD-2000B»، وهي النسخة التصديرية من HQ-9B.
وبحسب تقرير نشره موقع «ديفينسا» الإسباني، ونقلته وسائل إعلام مغربية في 20 ديسمبر/كانون الأول 2021، تسلم المغرب أول بطارية من المنظومة خلال منتصف عام 2021، وبدأ تشغيلها في قاعدة عسكرية متخصصة بالدفاع الجوي بعيد المدى في منطقة سيدي يحيى الغرب، على بعد نحو 50 كيلومتراً شمال العاصمة الرباط.
وتبلغ مساحة المنشأة العسكرية المخصصة لاستضافة المنظومة نحو 42 ألف متر مربع، وتضم مواقع إطلاق وتجهيزات للصيانة والإصلاح ومرافق إدارية وسكنية، ما يعكس توجه المغرب إلى إنشاء بنية تحتية متخصصة لتشغيل منظومات الدفاع الجوي الاستراتيجية.
وتشير المعلومات المنشورة إلى أن الصفقة تشمل أربع بطاريات، لكن قيمتها المالية الإجمالية لم تُعلن رسمياً. كما لا تتوافر بيانات موثوقة ومعلنة تحدد العدد الإجمالي للصواريخ الاعتراضية التي حصل عليها المغرب أو التوزيع النهائي لجميع البطاريات الأربع.
وفي 5 أبريل/نيسان 2025، نشر موقع الدفاع العربي تقريراً استند إلى تغطية قناة CGTN الصينية، أكد تشغيل المغرب للنسخة التصديرية FD-2000B، مشيراً إلى ظهور المنظومة ضمن شبكة الدفاع الجوي المغربية، إلى جانب منظومة «سكاي دراجون 50» الصينية متوسطة المدى.
ويمثل هذا الاقتناء نقلة مهمة في القدرات الدفاعية المغربية، إذ يمنح القوات المسلحة الملكية قدرة أكبر على إنشاء مظلة دفاع جوي بعيدة المدى لحماية المنشآت العسكرية والمراكز الحيوية والمجالات الاستراتيجية، بدلاً من الاعتماد بصورة أساسية على الطائرات المقاتلة في تنفيذ مهام الدفاع الجوي.
كما يتيح الجمع بين FD-2000B ومنظومات متوسطة وقصيرة المدى بناء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات، تتولى فيها المنظومات البعيدة التعامل مع الأهداف على مسافات كبيرة، بينما تتولى الأنظمة الأقصر مدى التصدي للتهديدات التي تتمكن من اختراق الطبقات الخارجية.
مصر.. توجه نحو إدخال HQ-9B إلى شبكة الدفاع الجوي
أما مصر، فقد برز اسم منظومة HQ-9B ضمن التقارير المتعلقة بتحديث قدرات الدفاع الجوي المصرية، خصوصاً في ظل توجه القاهرة إلى تنويع مصادر التسليح والحصول على أنظمة متقدمة لا تخضع للقيود السياسية والتصديرية التي تفرضها بعض الدول الغربية.
واكتسبت التقارير المتعلقة بامتلاك مصر للمنظومة زخماً إضافياً في يوليو/تموز 2025، عندما تحدث اللواء المصري المتقاعد سمير فرج، المدير الأسبق لإدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، خلال مقابلة تلفزيونية على قناة «صدى البلد»، عن وجود منظومة HQ-9B ضمن قدرات الدفاع الجوي المصري، مشيراً إلى أنها تضاهي منظومات متقدمة مثل إس-400 الروسية من حيث فئتها وقدراتها العامة.
وجاء هذا التصريح بعد تداول تقارير إعلامية خلال أبريل/نيسان 2025 تحدثت عن حصول مصر على المنظومة الصينية، كما رُصدت تحركات لطائرة نقل عسكرية مصرية من طراز Il-76MF بين الصين ومصر عبر باكستان في يوليو/تموز من العام نفسه، وسط تكهنات بشأن ارتباط الرحلة بعمليات نقل معدات عسكرية.
ومع ذلك، لا تزال تفاصيل الصفقة المصرية غير معلنة رسمياً، بما في ذلك عدد البطاريات وتكلفتها وتوقيت التسليم ومواقع الانتشار، كما لا يوجد إعلان حكومي مصري أو صيني منشور يكشف جميع تفاصيل الاقتناء.
وتشير بعض التقارير والتحليلات العسكرية إلى احتمال حصول مصر على أكثر من بطارية، مع تداول تقديرات غير مؤكدة بشأن نشر منظومات في مناطق استراتيجية، من بينها شبه جزيرة سيناء.
وتُقدّر بعض المصادر المتخصصة تكلفة فوج أو مجموعة قتالية متكاملة من HQ-9B بنحو 1.5 مليار دولار، كما أن التكلفة النهائية تختلف بحسب عدد منصات الإطلاق والرادارات ومراكز القيادة والصواريخ الاعتراضية وقطع الغيار والتدريب والدعم الفني.
ومن الناحية العملياتية، فإن إدخال HQ-9B إلى شبكة الدفاع الجوي المصرية، في حال تأكد اكتمال تسليمها وتشغيلها، من شأنه تعزيز قدرات الاشتباك بعيد المدى، وتوفير طبقة إضافية للحماية إلى جانب المنظومات الروسية مثل S-300VM وBuk-M2 وTor-M2، والمنظومات الأوروبية مثل IRIS-T SLM.
وتكمن أهمية هذه المنظومة بالنسبة لمصر في ظل اتساع مسرح عملياتها الجغرافي، والحاجة إلى تأمين مجالها الجوي الممتد من ساحل البحر المتوسط شمالاً إلى البحر الأحمر شرقاً والحدود الجنوبية، إلى جانب توفير الحماية للمنشآت الاستراتيجية وقناة السويس والقواعد الجوية والمواقع العسكرية الحيوية.
كما أن امتلاك منظومة صينية بعيدة المدى يوسع خيارات القاهرة في التعامل مع التهديدات الجوية المتنوعة، خصوصاً الطائرات المقاتلة وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة، مع تقليل الاعتماد على مورد واحد في مجال الدفاع الجوي.
لماذا اتجهت مصر والمغرب إلى المنظومة الصينية؟
هناك مجموعة من العوامل العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية التي تجعل HQ-9B ونسختها التصديرية FD-2000B خياراً جذاباً للدول العربية.
أولاً، توفر المنظومة قدرات دفاع جوي بعيدة المدى، مع تكلفة يُعتقد أنها أقل من بعض المنافسين الغربيين، خصوصاً منظومات باتريوت PAC-3 وSAMP/T، وإن كانت المقارنة المالية الدقيقة تتطلب معرفة تكوين كل صفقة.
ثانياً، تتميز الصين باستعدادها لتصدير منظومات دفاع جوي متقدمة إلى أسواق لا تستطيع دائماً الحصول على التقنيات الغربية الأكثر تطوراً، بسبب القيود السياسية أو شروط الاستخدام النهائي.
ثالثاً، تتيح المنظومة للدول المستوردة تنويع مصادر التسليح، وهو أمر مهم لمصر والمغرب اللتين تسعيان إلى امتلاك شبكات دفاع جوي تضم تقنيات من عدة دول، بما يقلل الاعتماد على مورد خارجي واحد.
رابعاً، توفر المنظومة أساساً لتطوير شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات، خصوصاً عند دمجها مع رادارات الإنذار المبكر وأنظمة القيادة والسيطرة ومنظومات الاعتراض متوسطة وقصيرة المدى.