هل تغير المقاتلات الروسية موازين القوى العسكرية بين مصر وإثيوبيا؟
موقع الدفاع العربي – 4 نوفمبر 2026: أثار إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تسلّم بلاده 12 مقاتلة روسية من طراز «سوخوي 35» تساؤلات بشأن انعكاسات هذه الخطوة على ميزان القوى العسكرية في منطقة حوض النيل، خصوصاً في ظل استمرار الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة الإثيوبي، وما يحيط به من توترات سياسية وأمنية.
ووفقاً لتقرير نشره موقع «الجزيرة نت» في 30 أكتوبر، لا تقتصر الصفقة الإثيوبية على المقاتلات الروسية، إذ من المنتظر أن تتسلم أديس أبابا لاحقاً أربع منظومات دفاع جوي بعيدة المدى من طراز «إس-400»، في خطوة تعكس توجهاً لتعزيز قدراتها الجوية والدفاعية. وتقول القيادة الإثيوبية إن هذه الأسلحة تأتي في إطار حماية المجال الجوي للبلاد والتصدي للتهديدات المحتملة.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن تأثيرها على الحسابات العسكرية المصرية، ومدى قدرتها على رفع كلفة أي تحرك عسكري محتمل يستهدف سد النهضة. وفي هذا السياق، يرى الخبير العسكري المصري عادل العمدة أن امتلاك إثيوبيا لهذه الأسلحة لا ينتقص من قدرة مصر على حماية أمنها القومي، مشيراً إلى أن القوات الجوية المصرية تمتلك مقاتلات حديثة وقدرات عسكرية متقدمة.
في المقابل، ينظر خبيران روسيان إلى الصفقة باعتبارها تحولاً استراتيجياً في القدرات العسكرية الإثيوبية، من شأنه تعزيز القوة الجوية للبلاد وتوسيع النفوذ الروسي في منطقة القرن الأفريقي، بما يمنح موسكو حضوراً إضافياً في واحدة من أكثر المناطق الاستراتيجية أهمية في القارة الأفريقية.
ومن المفارقات أن مصر تعاقدت فعلا مع روسيا للحصول على نحو 26 مقاتلة «سو-35»، قبل أن تتعثر مساعي الصفقة في أعقاب تحذيرات أمريكية من تداعيات العقوبات. ومع ذلك، لا تتوافر أدلة تؤكد أن الطائرات التي تسلمتها إثيوبيا كانت مخصصة في الأصل لمصر أو أنها جزء من الصفقة المصرية التي لم تكتمل.
خسائر «سو-35» و«إس-400» تثير التساؤلات
وفشلت المقاتلة الروسية «سو-35» في جذب العملاء الأجانب، حيث ظل سجلها التصديري محدوداً مقارنة بطموحات موسكو، وبحجم الترويج الذي حظيت به باعتبارها مقاتلة متعددة المهام من الجيل الرابع++.
فقد نجحت روسيا في بيعها إلى الصين، التي تعاقدت على 24 مقاتلة عام 2015، كما ارتبط اسمها بصفقات أو تعاقدات أخرى لم تتحول جميعها إلى عمليات تسليم مؤكدة. وتُظهر حالات مصر وإندونيسيا أن الاهتمام بالمقاتلة لا يعني بالضرورة إتمام الصفقة؛ إذ تعثرت خطط التصدير في البلدين لأسباب سياسية ومالية واستراتيجية، من بينها مخاطر العقوبات الأمريكية.
لكن الصورة تغيّرت خلال السنوات الأخيرة؛ إذ ظهرت الجزائر كعميل جديد للمقاتلة، بعد رصد طائرات «سو-35» تحمل علامات سلاح الجو الجزائري في مارس 2025، وتشير تحليلات إلى أن بعضها يعود إلى الطائرات التي صُنعت أصلاً لمصر. كما ارتبطت إيران بصفقة لشراء 24 مقاتلة، لكن تفاصيل التسليم ظلت محل تضارب، ولم يؤكد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) عمليات التسليم بصور أقمار صناعية حتى أبريل 2025.
أما مصر، فقد أُلغيت صفقتها التي شملت نحو 24 مقاتلة، وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بينما تراجعت إندونيسيا عن خطط الشراء.
كما تكبّدت مقاتلات «سو-35 إس» الروسية الأصلية خسائر خلال الحرب في أوكرانيا منذ فبراير 2022، نتيجة عمليات الدفاع الجوي الأوكراني، إلى جانب حوادث النيران الصديقة والسقوط لأسباب أخرى. ووفقاً لقاعدة بيانات موقع «أوريكس» (Oryx)، المتخصص في توثيق الخسائر العسكرية بالاستناد إلى الصور ومقاطع الفيديو، بلغ عدد مقاتلات «سو-35» الروسية المدمرة والموثقة بصرياً ما لا يقل عن 9 طائرات حتى نوفمبر 2026، مع احتمال ارتفاع الحصيلة الفعلية بسبب عدم توثيق جميع الخسائر.
وشملت أبرز الخسائر إسقاط مقاتلة في أبريل 2022 فوق منطقة إيزيوم، حيث أُسر طيارها، فضلاً عن خسائر أخرى خلال عام 2023، من بينها مقاتلات أُسقطت في محيط بريانسك، وحالات أخرى ارتبطت بالنيران الصديقة الروسية قرب توكماك وماريوبول. وفي فبراير 2024، أعلنت أوكرانيا إسقاط مقاتلة «سو-35» بالتزامن مع إسقاط مقاتلتين من طراز «سو-34»، كما تواصلت التقارير عن فقدان طائرات من هذا الطراز خلال عامي 2025 و2026.
ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة إجمالي خسائر الأسطول الروسي، إذ تقتصر قاعدة بيانات «أوريكس» على الحالات التي تتوافر بشأنها أدلة بصرية يمكن التحقق منها. وتكشف هذه الخسائر عن المخاطر التي تواجه المقاتلات الروسية عند العمل ضمن بيئة قتالية تتسم بانتشار منظومات الدفاع الجوي بعيدة ومتوسطة المدى.
كما تعرضت عدة أنظمة اس400 للتدمير من قبل أوكرانيا، وهذه نقطة إضافية تؤثر في صورة السلاح الروسي في أسواق التصدير. فقد تمكنت القوات الأوكرانية من تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بمكونات عدة من منظومات الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، بما في ذلك منصات إطلاق ورادارات ومراكز قيادة، عبر استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات بعيدة المدى.
ومن أبرز الحالات، استهداف موقع روسي في جانكوي بالقرم في أبريل 2024، حيث أعلنت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بأربع منصات إطلاق وثلاث محطات رادار ومركز قيادة للدفاع الجوي.
وفي نوفمبر 2025، أعلنت أوكرانيا تدمير أربع منصات إطلاق ورادارين تابعين للمنظومة في نوفوروسيسك، وقالت إن صور الأقمار الصناعية أكدت الأضرار.
ووفقاً لقاعدة بيانات Oryx التي تعتمد على توثيق الخسائر بالصور ومقاطع الفيديو، أورد تقرير نشره موقع عسكري في أغسطس 2026 خسارة روسيا ما لا يقل عن 30 منصة إطلاق تابعة لـ«إس-400»، منها 29 مدمرة وواحدة متضررة. وينبغي الانتباه إلى أن هذا الرقم يتعلق بمنصات الإطلاق، وليس بتدمير 30 منظومة متكاملة.
وتعكس الخسائر التي تكبدتها منظومات الدفاع الجوي الروسية «إس-400» في الحرب الأوكرانية أن هذه الأنظمة، رغم ما تمتلكه من قدرات متقدمة على الرصد والاشتباك مع الأهداف الجوية، ليست بمنأى عن الاختراق أو التدمير عند مواجهتها هجمات منسقة تستخدم الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة ووسائل الحرب الإلكترونية.
في المقابل، لا يمكن تقييم حجم التهديد الذي قد تشكله الأسلحة الروسية لدى دول مثل إثيوبيا بمعزل عن القدرات العسكرية المصرية، التي تستند إلى تنوع مصادر التسليح وامتلاك شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات تجمع بين المنظومات الروسية والغربية. كما تمتلك مصر أسطولاً من المقاتلات المتطورة، يشمل «رافال» و«إف-16» و«ميغ-29 إم/إم2»، إلى جانب ترسانة متنوعة من صواريخ جو-جو والذخائر الموجهة، وهو ما يوفر للقوات الجوية المصرية خيارات متعددة للتعامل مع التهديدات الجوية ومنظومات الدفاع الجوي المعادية.
ومع امتلاك منظومات «إس-400» قدرات متقدمة، فإن ذلك لا يعني أنها قادرة على فرض تفوق جوي مطلق أو منع القوات الجوية المصرية من تنفيذ مهامها. فمصر تمتلك شبكة دفاع جوي متكاملة ومتعددة الطبقات، إلى جانب مقاتلات حديثة وتسليح متنوع وقدرات متقدمة في الاستطلاع والإنذار المبكر، وهي عناصر تمنحها هامشاً واسعاً للمناورة والتعامل مع التهديدات المعادية. كما أن تجربة الحرب الأوكرانية أظهرت أن منظومات الدفاع الجوي، مهما بلغت قدراتها، تظل عرضة للاستهداف عند مواجهة عمليات جوية منسقة تستخدم وسائل متنوعة. وبناءً على ذلك، فإن امتلاك إثيوبيا لمنظومات «إس-400» وسو-35 لا يعني بالضرورة تغيير موازين القوى الجوية لصالحها، في ظل ما تمتلكه مصر من قدرات عسكرية متقدمة وخبرة تشغيلية واسعة، تجعل أي مواجهة جوية محتملة أكثر تعقيداً مما توحي به مواصفات المنظومات وحدها.