قراءة تقنية علمية في الجدل المنتشر في لبنان
اعداد محمد قاسم
أثار مقطع متداول على مواقع التواصل في لبنان جدلًا واسعًا بعد إظهار لوحة إلكترونية قيل إنها تعود إلى بطارية ليثيوم من Felicity Solar، مع الإشارة إلى وجود قطعة اعتُبرت «ميكروفونًا» بجانب قدرات الاتصال اللاسلكي، ومن هنا انتقل النقاش سريعًا من سؤال هندسي حول طبيعة القطعة إلى اتهام البطاريات بإمكان استخدامها للتنصت أو التجسس.
لكن من الناحية العلمية، هناك فارق كبير بين وجود مكوّن إلكتروني يشبه الميكروفون، وإثبات أنه ميكروفون، وإثبات قدرته على التقاط الكلام، ثم إثبات أن الصوت يُسجل أو يُرسل عبر الإنترنت. وكل واحدة من هذه المراحل تحتاج إلى دليل تقني مستقل.
ما الذي نعرفه بشكل مؤكد عن بطاريات Felicity؟
بطاريات الليثيوم الحديثة لم تعد مجرد مجموعة خلايا كهربائية. فهي تحتوي على نظام إلكتروني يسمى Battery Management System – BMS، يتولى مراقبة البطارية والتحكم بها وحمايتها.
وثائق Felicity الرسمية لطرازات حديثة تؤكد وجود BMS ذكي، كما تؤكد أن بعض البطاريات تحتوي على Wi-Fi وBluetooth مدمجين بهدف المراقبة عن بعد لبيانات البطارية. كذلك تستخدم الشركة اتصالات سلكية مثل CAN وRS485 لتبادل المعلومات بين البطارية والإنفرتر.
إذن وجود اتصال شبكي في البطارية حقيقة وليس إشاعة.
لكن وجود Wi-Fi لا يعني بحد ذاته وجود تجسس. فالـWi-Fi يستخدم لإرسال بيانات مثل حالة الشحن، الجهد، التيار، الإنذارات وحالة النظام إلى تطبيق المراقبة.
وتصف Google Play تطبيق Fsolar حاليًا بأنه منصة سحابية توفر المراقبة الآنية لمحطات الطاقة وإدارة الأجهزة والتحكم عن بعد والتنبيهات الذكية.
وماذا عن «الميكروفون»؟
هذه هي النقطة التي تحتاج إلى تدقيق أكبر.
الصور أو الفيديو وحدها لا تكفي للحكم على أي قطعة إلكترونية بأنها ميكروفون. توجد مكونات صوتية مختلفة يمكن أن تبدو متشابهة، من بينها:
- Microphone
- MEMS Microphone
- Piezo Buzzer
- Speaker
- Acoustic Sensor
- Pressure أو vibration transducer
على سبيل المثال، الـPiezo Buzzer هو عنصر مصمم لإنتاج الصوت وليس تسجيله، ويُستخدم بكثرة في أجهزة الإنذار والأجهزة المنزلية والصناعية. شركة Texas Instruments تصفه كمكوّن صوتي يعتمد التأثير الكهروضغطي لإصدار الصوت، ويمكن استخدامه في أجهزة الإنذار.
أما ميكروفونات MEMS الحديثة فهي مكونات مختلفة هندسيًا، تحتوي عادة على منفذ صوتي acoustic port ودارات لتحويل الضغط الصوتي إلى إشارة كهربائية، ويمكن أن تقدم خرجًا تناظريًا أو رقميًا من نوع PDM أو I²S بحسب التصميم. وتظهر مواصفات Infineon وTDK هذه البنية بوضوح.
لذلك لا يمكن تحديد وظيفة القطعة من شكلها وحده.
ماذا تقول وثائق Felicity؟
راجعنا أدلة تشغيل رسمية لعدة بطاريات Felicity حديثة.
الوثائق تصف بصورة واضحة:
BMS – Wi-Fi – Bluetooth – CAN – RS485 – مراقبة البطارية عن بعد.
لكن البحث داخل دليل LPBA24100WG1، على سبيل المثال، لم يظهر أي ذكر لكلمة microphone أو buzzer.
كما لم يظهر وصف لميكروفون في الأدلة الأخرى التي جرى فحصها.
وهذا مهم، لكنه ليس دليلًا على عدم وجود القطعة؛ فدليل المستخدم لا يحتوي بالضرورة على المخطط التفصيلي لكل مكوّن موجود على لوحة BMS.
الحسم يحتاج إلى معرفة رقم القطعة الإلكتروني Part Number أو الحصول على المخطط الكهربائي للوحة.
هل يمكن استخدام ميكروفون داخل بطارية للتجسس نظريًا؟
نعم، من الناحية الهندسية البحتة يمكن تصميم أي جهاز متصل بالإنترنت ليحتوي على ميكروفون ويرسل الصوت.
لكن وجود ميكروفون وحده لا يحقق ذلك.
لكي تتحول البطارية فعليًا إلى جهاز تنصت يجب أن توجد سلسلة تقنية كاملة تقريبًا:
الصوت → ميكروفون → تحويل الإشارة → معالج → برنامج Firmware → تخزين أو ضغط للصوت → واجهة Wi-Fi → اتصال شبكي → خادم يستقبل البيانات.
إذا كانت إحدى هذه الحلقات غير موجودة، لا تصبح القطعة جهاز تجسس صوتيًا متكاملًا.
الميكروفونات الرقمية الحديثة مثل MEMS تستطيع بالفعل تحويل الصوت إلى بيانات رقمية يمكن للمعالج التعامل معها، ولذلك فإن مجرد إثبات أن المكوّن ميكروفون سيكون أمرًا مهمًا، لكنه يظل غير كافٍ لإثبات إرسال المحادثات.
النقطة الأكثر أهمية: البطارية متصلة أصلًا بالإنترنت
الجانب الذي يستحق اهتمامًا حقيقيًا في القضية ليس الميكروفون وحده، بل أن بعض أنظمة Felicity هي بالفعل أجهزة IoT متصلة بالإنترنت والسحابة.
سياسة الخصوصية الرسمية لخدمة Fsolar تقول إن النظام قد يجمع، بحسب الخدمة المستخدمة، معلومات تتضمن بيانات الجهاز والشبكة وعنوان IP وسجلات الاستخدام، وسجلات إعداد Wi-Fi، ومعلومات إنتاج واستهلاك الطاقة، وفي بعض الوظائف بيانات الموقع، إضافة إلى بيانات مرتبطة بأجهزة الطاقة المستخدمة.
وتذكر السياسة تحديدًا أن بيانات الإنفرتر والطاقة يمكن رفعها بهدف عرض معلومات الإنتاج والاستهلاك، وأن هذه البيانات قد تكشف أنماط استخدام الكهرباء.
هذا لا يعني تسجيل الصوت، لكنه يعني أن الحديث عن الخصوصية والأمن السيبراني مشروع علميًا، لأننا نتعامل مع جهاز متصل بالشبكة وليس مع بطارية كهربائية صامتة تقليدية.
المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا NIST يعتبر أجهزة IoT فئة تتطلب إدارة مخاطر أمنية وخصوصية، بما في ذلك حماية بيانات الجهاز ومراقبة اتصالاته مع الأنظمة الخارجية.
كيف نثبت أو ننفي قضية الميكروفون علميًا؟
لا تحسم القضية بمنشور على Facebook أو Instagram ولا ببيان تسويقي، بل يمكن إجراء Digital Hardware Forensics على البطارية.
1. تحديد القطعة
يجب تصوير لوحة BMS بدقة عالية وقراءة:
- رقم القطعة.
- شعار المصنع.
- عدد الأرجل.
- مسارات PCB المرتبطة بها.
- وجود منفذ صوتي Acoustic Port.
- الشريحة التي تتصل بها.
إذا ظهر Part Number، يمكن الرجوع مباشرة إلى Datasheet ومعرفة إن كانت القطعة:
Microphone أم Buzzer أم Sensor آخر.
وهذه الخطوة وحدها يمكن أن تحسم الجزء الأول من القضية.
2. تتبع المسارات الكهربائية
إذا كانت القطعة ميكروفونًا، يجب معرفة أين تذهب إشارتها.
هل تتصل بمدخل ADC؟
هل تتصل بـPDM أو I²S؟
هل تصل إلى المتحكم الرئيسي؟
أم أنها موصولة إلى دارة Output Driver، وهو ما يرجح أنها Buzzer أو Speaker؟
هذه المعلومات يمكن الحصول عليها بتتبع PCB واستخدام Multimeter وOscilloscope بواسطة مختص.
3. تحليل الـFirmware
المرحلة التالية هي استخراج برنامج BMS أو وحدة Wi-Fi والبحث عن مكتبات أو وظائف مرتبطة بالصوت مثل:
Audio capture
ADC sampling
PDM
I2S
PCM
WAV
AAC
Opus
وجود مثل هذه الوظائف سيكون مؤشرًا تقنيًا مهمًا، بينما عدم وجود أي مسار برمجي للتعامل مع الصوت سيضعف بشدة فرضية التسجيل.
4. تحليل حركة الشبكة
وهذه ربما أهم تجربة.
توضع البطارية على شبكة Wi-Fi مستقلة ويجري تسجيل كامل للحركة الصادرة منها باستخدام Router أو Firewall أو Wireshark.
بعد ذلك تتم مقارنة حالتين:
غرفة صامتة
مقابل:
تشغيل صوت مستمر ومحادثات قرب البطارية.
ويجري فحص:
- عناوين IP التي تتصل بها البطارية.
- أسماء النطاقات DNS.
- حجم البيانات الصادرة.
- عدد الاتصالات.
- توقيتها.
- البروتوكولات المستخدمة.
- الخوادم المستقبلة.
مراقبة حركة الشبكة نفسها إحدى الطرق المستخدمة في تدقيق أجهزة IoT، ويوصي NIST بتحليل تفاعلات الجهاز مع الأنظمة الخارجية عند تقييم مخاطره.
لكن يجب التنبيه إلى أن زيادة حجم البيانات أثناء وجود صوت لا تكفي وحدها لإثبات إرسال الصوت، خصوصًا إذا كان الاتصال مشفرًا بـTLS. الوصول إلى نتيجة قاطعة يتطلب ربط حركة الشبكة بسلوك البرنامج أو تحليل المحتوى بعد فك التشفير بطريقة مخبرية مناسبة.
لماذا قد يوضع مستشعر صوت أصلًا داخل نظام بطارية؟
من الناحية الهندسية، استخدام التحليل الصوتي للكشف عن حالات ميكانيكية أو كهربائية غير طبيعية أمر ممكن.
وتوجد بالفعل ميكروفونات ومستشعرات مخصصة لما يسمى Acoustic Event Detection وليس لتسجيل المحادثات؛ وتعرض TDK، على سبيل المثال، ميكروفونات تحتوي على وظائف Acoustic Activity Detection للاستخدام في الأنظمة الذكية.
لكن لا يمكن إسقاط هذا التفسير تلقائيًا على بطارية Felicity تحديدًا من دون Datasheet أو Firmware يثبت أن هذا هو الغرض من القطعة.
وبالتالي فإن التفسير المتداول الآخر القائل إن «الميكروفون موضوع لسماع الشرر أو الغازات داخل البطارية» لا ينبغي تقديمه كحقيقة مثبتة حاليًا من دون إثبات هندسي خاص بهذا الطراز.
وهل يمكن أن يكون مجرد Buzzer؟
هذا احتمال تقني قائم أيضًا.
أجهزة الطاقة تستخدم Buzzers لإصدار:
- إنذارات الأعطال.
- ارتفاع الحرارة.
- انخفاض البطارية.
- التحميل الزائد.
- أخطاء النظام.
ووثائق Felicity نفسها تؤكد وجود Buzzers وإنذارات صوتية في عدد من منتجات الإنفرتر التابعة للشركة، حيث تحدد بعض الأدلة مدة الصفارات وأنماطها أثناء الإنذار والعطل.
لكن مرة أخرى، وجود Buzzer في إنفرترات Felicity لا يثبت أن القطعة الموجودة على لوحة البطارية المتداولة هي Buzzer؛ المطلوب تحديدها مباشرة.
ماذا نستطيع أن نقول الآن بدرجة علمية؟
بناء على المعلومات المتاحة علنًا حتى الآن:
أولًا: وجود BMS واتصالات Wi-Fi وBluetooth وقدرات مراقبة سحابية في بعض بطاريات Felicity مثبت بوثائق الشركة نفسها.
ثانيًا: وجود مكوّن قيل إنه «ميكروفون» في لوحة متداولة على وسائل التواصل لا يكفي وحده لإثبات طبيعته ووظيفته.
ثالثًا: أدلة البطاريات الرسمية التي راجعناها لا تصف وظيفة تسجيل صوتي، كما لم نجد فيها إشارة إلى Microphone.
رابعًا: لم يظهر في المواد التقنية التي تمكنا من التحقق منها دليل يثبت أن بطاريات Felicity تسجل محادثات المستخدمين أو ترسل صوتًا إلى خوادم خارجية.
خامسًا: في المقابل، لا يمكن نفي وجود ميكروفون على طراز أو إصدار معين اعتمادًا على دليل المستخدم فقط؛ فهذا يتطلب تحديد القطعة وفحص اللوحة والـFirmware وحركة الشبكة.
الخلاصة
القول إن «بطاريات Felicity تتجسس على اللبنانيين» يحتاج إلى أدلة تقنية غير متوافرة علنًا حتى الآن.
وفي الوقت نفسه، القول بثقة إن القطعة الظاهرة «ليست ميكروفونًا إطلاقًا» أو أنها بالتأكيد مجرد مستشعر أمان ليس استنتاجًا علميًا أيضًا ما لم يتم تحديد رقمها ووظيفتها.
القضية قابلة للحسم مخبريًا وبشكل شبه قطعي.
إذا ثبت أن القطعة Microphone، يصبح السؤال التالي: إلى أين تذهب إشارتها؟
وإذا ثبت اتصالها بالمعالج، يصبح السؤال: ماذا يفعل بها الـFirmware؟
وإذا وُجد برنامج لمعالجة الصوت، يأتي السؤال الحاسم: هل تغادر أي بيانات صوتية البطارية عبر الشبكة؟
هذه السلسلة هي التي تفصل بين مكوّن إلكتروني مجهول الوظيفة، ومستشعر صوت لأغراض تشغيلية، وبين جهاز قادر فعليًا على التنصت.
وحتى اكتمال هذه السلسلة من الأدلة، تبقى فرضية «التجسس بالميكروفون» ادعاءً غير مثبت تقنيًا، وليس حقيقة علمية محسومة.