وتأتي هذه التحركات في ظل التحسن الملحوظ في العلاقات بين الرباط وباريس، خصوصاً بعد اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما فتح المجال أمام توسيع التعاون ليشمل قطاعات استراتيجية، من بينها الدفاع والصناعات العسكرية.
طائرات التزود بالوقود جواً لتعزيز قدرات القوات الجوية الملكية
يبرز خيار اقتناء طائرات «إيرباص ايه 330 إم آر تي تي» ضمن الملفات المطروحة في سياق تحديث القوات الجوية الملكية المغربية. وتتميز هذه الطائرة بقدرتها على تنفيذ عمليات التزود بالوقود جواً، ونقل الأفراد والمعدات، والإخلاء الطبي، ما يجعلها منصة متعددة المهام يمكن أن تعزز قدرات القوات الجوية على تنفيذ عمليات بعيدة المدى.


وتمثل هذه القدرة إضافة مهمة إلى أسطول المقاتلات المغربية، الذي يضم طائرات «إف-16»، خصوصاً مع استمرار برنامج تحديثها إلى معيار «بلوك 72»، وما يرافقه من تحسينات في الرادار وأنظمة الاستهداف والقدرات القتالية.
وفي حال اقتناء طائرات A330 MRTT، ستتمكن المقاتلات المغربية من البقاء في الجو لفترات أطول، وتقليل الحاجة إلى التوقف للتزود بالوقود على الأرض خلال بعض المهام، فضلاً عن توسيع نطاق العمليات الجوية وتوفير مرونة أكبر في إدارة الطلعات.
وقد شهد التعاون العسكري المغربي الفرنسي تدريبات أتاحت اختبار التوافق العملياتي بين الجانبين. ففي تمرين «ماراثون 25»، الذي أُجري في منطقة كلميم عام 2025، شاركت مقاتلات مغربية من طراز «إف-16» في مناورات مع مقاتلات «رافال» الفرنسية، ضمن تدريبات هدفت إلى تعزيز التنسيق وتبادل الخبرات.
وتواصل هذا التعاون خلال تمرين «أوريكس 26»، الذي شهد مشاركة مقاتلات مغربية وفرنسية في تدريبات جوية مشتركة بقاعدة أورانج-كاريتات الفرنسية. وتضمنت التدريبات أنشطة مرتبطة بالتزود بالوقود جواً باستخدام طائرة «A330 MRTT Phénix» التابعة للقوات الجوية والفضائية الفرنسية.
وتؤكد هذه التدريبات أهمية التزود بالوقود جواً ضمن العمليات المشتركة.
مقاتلات رافال ضمن خيارات تحديث القوات الجوية
تتحدث تقارير عن مفاوضات بين المغرب وفرنسا بشأن احتمال اقتناء ما بين 12 و18 مقاتلة من طراز «داسو رافال F4»، في صفقة من شأنها أن تمثل تحولاً مهماً في تركيبة القوات الجوية الملكية إذا انتقلت إلى مرحلة التعاقد والتنفيذ.


وتوفر رافال F4 قدرات متقدمة في القتال الجوي والضربات الدقيقة، إلى جانب تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم البحري. كما يتيح معيار F4 تطوير قدرات تبادل البيانات والربط بين الطائرات والمنصات العسكرية الأخرى، بما يعزز التنسيق في العمليات المعقدة.
ومن شأن الجمع بين مقاتلات متقدمة وطائرات للتزود بالوقود جواً أن يمنح القوات الجوية خيارات أوسع في تنفيذ المهام بعيدة المدى، سواء في إطار حماية المجال الجوي أو تنفيذ عمليات جوية تتطلب البقاء لفترات طويلة فوق مناطق العمليات.
يشمل التعاون الدفاعي المحتمل أيضاً مروحيات «إيرباص H225M كاراكال»، المصممة لتنفيذ مهام النقل العسكري والبحث والإنقاذ القتالي والإخلاء الطبي والعمليات الخاصة.
وتتحدث تقارير عن صفقة تتراوح قيمتها بين 600 و800 مليون يورو، قد تشمل ما يصل إلى 18 مروحية، موزعة بين القوات الجوية الملكية والدرك الملكي. وتشير الأرقام المتداولة إلى تخصيص 12 مروحية للقوات الجوية وست مروحيات للدرك الملكي.
وتتميز كاراكال بقدرتها على العمل في ظروف تشغيلية متنوعة، ونقل القوات والمعدات إلى مناطق يصعب الوصول إليها، فضلاً عن تنفيذ عمليات الإخلاء والإنقاذ لمسافات طويلة وفقاً للتجهيزات المعتمدة لكل نسخة.
وتأتي هذه الصفقة في إطار تعزيز قدرات القوات المسلحة الملكية على نقل الجنود والمعدات، ودعم وحدات القوات الخاصة، وتنفيذ مهام البحث والإنقاذ والإخلاء الطبي، مع تخفيف الضغط على المروحيات الموجودة في الخدمة.
غواصات سكوربين على طاولة تحديث البحرية الملكية
على المستوى البحري، تتداول تقارير احتمال اهتمام المغرب باقتناء غواصات تقليدية من فئة «سكوربين» التي تطورها مجموعة «نافال غروب» الفرنسية بالتعاون الصناعي مع شركاء دوليين.
ويمثل إدخال الغواصات خياراً استراتيجياً للبحرية الملكية المغربية، إذ سيضيف قدرة جديدة إلى أسطولها، تتيح تنفيذ مهام المراقبة والاستطلاع تحت سطح البحر، ومتابعة تحركات القطع البحرية، وتنفيذ عمليات ردع في المجال البحري.
وتتميز غواصات سكوربين بتصميمها المخصص للعمليات التقليدية، وقدرتها على العمل لفترات طويلة تحت الماء، مع إمكانية تجهيزها بأنظمة استشعار وتسليح تتناسب مع متطلبات الدولة المشغلة. وتختلف مواصفاتها النهائية بحسب النسخة والتجهيزات التي يختارها العميل.
وإذا انتقل هذا الملف إلى مرحلة التعاقد، فسيكون إدخال الغواصات تطوراً نوعياً في قدرات البحرية الملكية، نظراً لما يتطلبه تشغيلها من بنية تحتية متخصصة، ومنشآت للصيانة والدعم الفني، وبرامج لتأهيل الأطقم البحرية.
ولا تزال غواصات «سكوربين» ضمن الخيارات المطروحة أمام المغرب لتحديث أسطوله البحري، في ظل المنافسة بين الشركات الدولية للفوز بهذا العقد، دون إعلان رسمي حتى الآن عن إبرام الصفقة أو تحديد عدد الغواصات وقيمتها وموعد تسليمها.
طائرات الدوريات البحرية ومكافحة الغواصات
تتجه متطلبات تحديث القوات البحرية أيضاً إلى تعزيز قدرات المراقبة الجوية للمجال البحري، بما يشمل طائرات الدوريات البحرية والمنصات القادرة على رصد التحركات المشبوهة ومتابعة السفن والغواصات.
وتتيح طائرات الدوريات البحرية تغطية مساحات واسعة من المياه الإقليمية والمناطق البحرية المحيطة، باستخدام الرادارات وأنظمة التصوير الكهروبصري ومعدات الاتصالات والاستطلاع الإلكتروني. ويمكن تجهيز بعض الطرازات بأنظمة متخصصة في كشف الغواصات وتتبعها، بحسب طبيعة المهمة والتسليح المعتمد.
وتملك الشركات الفرنسية خبرة في تطوير حلول للمراقبة البحرية والاستطلاع، ما يجعلها ضمن الجهات التي يمكن أن تتنافس على تلبية احتياجات المغرب في هذا المجال.
وتفرض الواجهة الأطلسية والواجهة المتوسطية على المغرب متطلبات متزايدة في مجال المراقبة البحرية، تشمل تتبع حركة السفن، ومراقبة المناطق الاقتصادية الخالصة، وحماية الموانئ والمنشآت الساحلية، فضلاً عن تأمين البنية التحتية البحرية ومراقبة الأنشطة غير المشروعة في البحر. وتساعد طائرات الدوريات البحرية على تغطية مساحات واسعة ورصد التحركات المشبوهة، فيما تتيح الطائرات المجهزة بأنظمة مكافحة الغواصات كشف التهديدات تحت سطح الماء ومتابعتها، بما يعزز قدرات البحرية الملكية على حماية المصالح البحرية للمغرب.
لا تقتصر أهمية المفاوضات الدفاعية بين المغرب وفرنسا على شراء المعدات، بل تمتد إلى المكاسب الصناعية التي يمكن أن ترافق أي اتفاق كبير.
وتشير تحليلات متخصصة إلى أن الرباط تسعى إلى توسيع مساهمة الصناعة المحلية في برامج التسليح، من خلال نقل التكنولوجيا، وتطوير قدرات الصيانة والإصلاح، وإشراك الشركات المغربية في سلاسل التوريد، وصولاً إلى إمكانية تجميع بعض المعدات أو تصنيع مكونات منها محلياً.
ويتوافق هذا التوجه مع مساعي المغرب لتطوير قاعدة صناعية دفاعية قادرة على توفير جزء من احتياجات القوات المسلحة، وتقليل الاعتماد على الخارج في أعمال الصيانة والدعم الفني، فضلاً عن بناء خبرات وطنية في المجالات الهندسية والتقنية.
وقد يتيح التعاون مع شركات فرنسية مثل «إيرباص» و«داسو للطيران» و«نافال غروب» فرصاً لتطوير القدرات المحلية، خصوصاً إذا تضمنت الاتفاقات المستقبلية برامج التدريب والتأهيل ونقل المعرفة الفنية، إلى جانب عقود الصيانة طويلة الأمد.
وتشير هذه الملفات إلى توجه نحو توسيع التعاون العسكري بين المغرب وفرنسا ليشمل المقاتلات وطائرات التزود بالوقود جواً والمروحيات والغواصات وطائرات المراقبة البحرية، إلى جانب التصنيع العسكري. ومن شأن إبرام هذه الصفقات أن يعزز قدرات القوات المسلحة الملكية على تنفيذ العمليات الجوية بعيدة المدى، ونقل القوات والمعدات، ومراقبة المجال البحري، وتطوير قدرات العمل تحت سطح الماء، فضلاً عن فتح المجال أمام شراكات صناعية ونقل التكنولوجيا إلى المغرب.




