موقع الدفاع العربي – 7 نوفمبر 2026: رغم أن عدد سكان النرويج لا يتجاوز نحو 5.6 مليون نسمة، فإنها نجحت في تطوير منظومة صاروخية متقدمة وضعتها في مصاف الدول المؤثرة في سوق الصناعات الدفاعية العالمية، من خلال صاروخ JSM (Joint Strike Missile)، الذي يمثل أحد أبرز الأسلحة الجوية المصممة لمواجهة الأهداف البحرية والبرية المحمية.
ويعكس هذا الصاروخ نموذجاً مختلفاً في بناء القوة العسكرية، إذ لم تعتمد النرويج على ضخامة القوات المسلحة أو الميزانيات الدفاعية الهائلة، بل ركزت على تطوير تقنيات متخصصة وعالية القيمة، قادرة على منح القوات الجوية قدرات عملياتية متقدمة، ومنافسة منتجات كبرى الشركات الدفاعية العالمية.
ويتميز صاروخ JSM بتصميم منخفض البصمة الرادارية، وقدرته على الطيران على ارتفاعات منخفضة لتقليل فرص اكتشافه واعتراضه، فضلاً عن امتلاكه قدرات متقدمة للملاحة وتغيير المسار أثناء الطيران، بما يسمح له بمهاجمة الأهداف المعادية بدقة عالية، مع مدى يتجاوز 550 كيلومتراً وفق بعض التقديرات والتكوينات المعلنة.
وتبرز أهمية الصاروخ بصورة خاصة في كونه صُمم للتكامل مع مقاتلات الجيل الخامس إف-35، ما يتيح الاستفادة من خصائص التخفي والرصد والاستشعار المتقدمة للطائرة، إلى جانب قدرات الصاروخ الهجومية، ويوفر خياراً متطوراً لتنفيذ الضربات ضد الأهداف البحرية والبرية من مسافات بعيدة.
ولم يقتصر الاهتمام بالصاروخ على القوات المسلحة النرويجية، إذ استقطب اهتمام عدد من القوى العسكرية الكبرى، من بينها الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وأستراليا، في مؤشر على تنامي الطلب الدولي على هذه المنظومة، وعلى قدرة الصناعات الدفاعية النرويجية على المنافسة في سوق تهيمن عليها شركات أمريكية وأوروبية كبرى.
وتقدم التجربة النرويجية درساً مهماً في مجال تطوير الصناعات الدفاعية، يتمثل في أن بناء قاعدة صناعية عسكرية مؤثرة لا يتطلب بالضرورة امتلاك أكبر ميزانية دفاعية أو إنتاج جميع أنواع الأسلحة، بل يمكن تحقيق ذلك من خلال اختيار مجالات تكنولوجية محددة، والاستثمار طويل الأمد في البحث والتطوير، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وبناء منتجات تمتلك ميزة تنافسية في الأسواق الدولية.
وتمنح التجربة النرويجية الدول العربية فرصة للاستفادة من نموذج صناعي يمكن البناء عليه، خاصة أن العديد منها يمتلك مقومات تؤهلها للانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً في الصناعات الدفاعية، وفي مقدمتها الموارد المالية، والكفاءات العلمية والهندسية، والكوادر الشابة، والأسواق المحلية الكبيرة، فضلاً عن الطلب المتزايد على الأنظمة العسكرية المتطورة. ومن خلال توجيه الاستثمارات نحو البحث والتطوير، وتعزيز الشراكات الصناعية ونقل التكنولوجيا، وتوطين تصميم وإنتاج المنظومات الاستراتيجية، تستطيع الدول العربية تحويل احتياجاتها الدفاعية إلى فرص لبناء قدرات صناعية وطنية مستدامة. ولا يقتصر ذلك على إنتاج الأسلحة والمعدات للاستخدام المحلي، بل يمتد إلى تطوير منتجات قادرة على دخول الأسواق الدولية ومنافسة الموردين التقليديين، بما يعزز الاستقلالية التقنية، ويرفع القيمة المضافة للاقتصادات العربية، ويحول المنطقة تدريجياً من سوق رئيسية لاستيراد السلاح إلى شريك فاعل في تطويره وإنتاجه وتصديره.




