من بيروت، نقرأ العالم
الدفاع والامن

الجيش الإريتري يتوغل 60 كيلومتراً داخل إثيوبيا.. هل تقترب الحرب؟

تقارير تكشف توغل قوات إريترية داخل إقليم تيغراي الإثيوبي وسط مخاوف من اندلاع حرب جديدة. موقع الدفاع العربي – 9 أكتوبر 2026: دخل التوتر…

تقارير تكشف توغل قوات إريترية داخل إقليم تيغراي الإثيوبي وسط مخاوف من اندلاع حرب جديدة.

موقع الدفاع العربي – 9 أكتوبر 2026: دخل التوتر العسكري بين إثيوبيا وإريتريا مرحلة أكثر خطورة، بعد ورود تقارير عن عبور قوات إريترية الحدود إلى إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، ووصولها إلى بلدات داخل الأراضي الإثيوبية، في تطور يهدد بتحويل المواجهات الداخلية في البلاد إلى صراع إقليمي مباشر.

وبحسب تقارير نشرتها وكالتا «رويترز» و«أسوشيتد برس» يومي 8 و9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، شوهدت قوات إريترية في بلدتي أديغرات وإيداغا هاموس، بالتزامن مع تصاعد القتال بين الجيش الإثيوبي والقوات المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي. وأفادت مصادر محلية ومجموعة مراقبة النزاعات المسلحة ACLED بأن القوات الإريترية عبرت الحدود من منطقة زالامبيسا، وتقدمت باتجاه المناطق الواقعة جنوب الحدود.

واتهمت الحكومة الإثيوبية أسمرة بتنفيذ توغل عسكري داخل أراضيها، فيما نفت إريتريا الاتهامات أو رفضت التعليق عليها بصورة مباشرة، واعتبرت أن أديس أبابا تستخدم هذه المزاعم لتبرير عمل عسكري ضدها.

تقدم القوات الإريترية والضربات بالطائرات المسيّرة

تتمثل أبرز التطورات الميدانية في وصول القوات الإريترية إلى أديغرات، الواقعة في شمال تيغراي، ثم تحركها على الطريق المؤدي إلى إيداغا هاموس. وتكتسب أديغرات أهمية استراتيجية بسبب موقعها القريب من الحدود الإريترية، وارتباطها بالطرق المؤدية إلى عمق الإقليم.

ووفقاً لرسالة وجهها وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس إلى الأمم المتحدة ومسؤولين فرنسيين، فإن القوات الإريترية توغلت لمسافة تصل إلى 60 كيلومتراً داخل الأراضي الإثيوبية. في المقابل، أفادت شهادات ميدانية وتقارير أخرى بوصول القوات إلى مناطق تبعد نحو 40 كيلومتراً عن الحدود، ما يعكس اختلاف التقديرات بحسب المواقع التي جرى رصدها.

ولم يقتصر التطور على تحركات القوات البرية، إذ أفادت منظمة ACLED بأن طائرات مسيّرة يُعتقد أنها تابعة للجيش الإثيوبي استهدفت قوات إريترية ومركبات عسكرية محملة بالذخائر في محيط إيداغا هاموس وقيرسي بير، خلال مساء 7 أكتوبر/تشرين الأول وصباح اليوم التالي. كما أشارت المنظمة إلى استهداف قوات إريترية قرب منطقة غوادا أثناء تحركها باتجاه إيداغا هاموس.

وتشير هذه المعطيات إلى أن المواجهة لم تعد تقتصر على تبادل الاتهامات السياسية، بل امتدت إلى عمليات عسكرية استهدفت تحركات القوات الإريترية داخل تيغراي. ولا تزال تفاصيل حجم القوات المشاركة ومهمتها الدقيقة ومدى استمرار وجودها داخل الأراضي الإثيوبية غير محسومة بصورة مستقلة.

كم يبلغ عدد القوات الإريترية المشاركة؟

نقل تقرير لرويترز عن مسؤول إثيوبي رفيع، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، أن إريتريا نشرت في تيغراي فرقة ميكانيكية وثلاث فرق مشاة، تضم كل منها نحو 1,500 جندي.

وباحتساب هذه التقديرات، قد يصل إجمالي القوة المذكورة إلى نحو 6,000 جندي، موزعين على أربع فرق عسكرية. لكن هذا الرقم يستند إلى إفادة مسؤول إثيوبي لم تتمكن رويترز من التحقق منها بصورة مستقلة، ولا يمثل حصيلة مؤكدة للقوات التي عبرت الحدود بالفعل. كما لا تتوافر معلومات موثوقة تحدد عدد الدبابات أو ناقلات الجنود أو قطع المدفعية التي رافقت هذه القوات.

وفي 8 أكتوبر، أفادت التقارير بأن القوات الإثيوبية استهدفت مواقع وتحركات إريترية بالطائرات المسيّرة، بينما أشارت مصادر إلى تحرك جنود إريتريين باتجاه الشمال عقب الضربات. ولم يتضح ما إذا كان ذلك يمثل انسحاباً كاملاً إلى داخل إريتريا أم إعادة انتشار في مواقع أخرى داخل إثيوبيا.

تأتي هذه التطورات بالتزامن مع تجدد القتال في تيغراي منذ 23 سبتمبر/أيلول 2026، بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، التي دخلت في تحالف مع جماعات معارضة أخرى. وتمكنت القوات الحكومية وحلفاؤها من دخول ميكيلي، عاصمة الإقليم، بعد انسحاب قوات الجبهة منها، قبل أن تتواصل العمليات العسكرية في مناطق أخرى من شمال البلاد.

وتتهم أديس أبابا إريتريا بدعم الجماعات المسلحة التي تقاتل الحكومة الإثيوبية، وهي اتهامات تنفيها أسمرة. وقد تدهورت العلاقات بين البلدين إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية خلال الأسبوع السابق للتقارير الأخيرة، ما زاد من احتمالات انتقال الصراع من مواجهة داخلية إلى حرب بين دولتين.

ويعود جانب مهم من التوتر إلى مسألة الوصول إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا، التي فقدت ساحلها بعد استقلال إريتريا عام 1993، تؤكد أن الحصول على منفذ بحري يمثل ضرورة استراتيجية واقتصادية. وفي المقابل، تنظر إريتريا بقلق إلى تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بشأن أهمية الوصول إلى البحر، وتخشى أن تتحول هذه الطموحات إلى تهديد لأراضيها وسيادتها، ولا سيما لميناء عصب.

وكان البلدان قد توصلا إلى اتفاق سلام عام 2018، بعد حرب حدودية دامية استمرت بين عامي 1998 و2000. كما قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الإثيوبية خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، قبل أن تتدهور العلاقات مجدداً.

هل تتجه المنطقة إلى حرب مفتوحة؟

الجيش الإريتري يتوغل 60 كيلومتراً داخل إثيوبيا.. هل تقترب الحرب؟الجيش الإريتري يتوغل 60 كيلومتراً داخل إثيوبيا.. هل تقترب الحرب؟
إريتريا ومصر والصومال تعزز محورها ضد إثيوبيا

تتجاوز تداعيات التصعيد الحالي حدود إثيوبيا وإريتريا، في ظل دخول مصر على خط الأزمة وتقاربها المتزايد مع أسمرة، إلى جانب الصلات التي تربط القاهرة بكل من الصومال والسودان. ويضع هذا التقارب المواجهة في سياق أوسع من التنافس على النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، فضلاً عن الخلاف المستمر بين مصر وإثيوبيا بشأن مياه النيل وسد النهضة.

تعزز التقارب المصري الإريتري خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إذ التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الإريتري أسياس أفورقي في مصر يوم 3 أكتوبر، قبل انعقاد قمة رباعية في 4 أكتوبر بمشاركة الصومال والسودان. وانتهت القمة بإعلان مشترك شدد على احترام سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، مع التأكيد أن إدارة أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المطلة عليه حصراً. ولم يسمِّ الإعلان إثيوبيا مباشرة، لكنه تضمن مواقف تتعارض مع مساعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري سيادي.

ولا يقتصر التقارب على التنسيق السياسي؛ فقد أشار تحليل مشروع التهديدات الحرجة إلى اتفاقات مصرية لتطوير الموانئ والنقل البحري مع إريتريا وجيبوتي والصومال، أُبرمت بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ويوليو/تموز 2026. وتشمل الاتفاقات الإريترية موانئ عصب ومصوع ومرسى فاطمة. كما أورد التحليل تقارير عن إمكانية استخدام السفن المصرية لهذه الموانئ للتزود بالوقود والإمدادات، وإن كانت هذه التفاصيل لا تعني بحد ذاتها وجود قواعد عسكرية مصرية دائمة أو اتفاق دفاع مشترك يتيح تدخلاً عسكرياً تلقائياً.

وتتقاطع هذه التحركات مع الخلاف المصري الإثيوبي حول سد النهضة، ومع رفض القاهرة مطالب إثيوبيا بالحصول على منفذ بحري سيادي. وفي المقابل، تخشى إريتريا أن يؤدي تقدم الجيش الإثيوبي إلى المناطق الحدودية إلى زيادة الضغط عليها، خصوصاً مع تكرار تصريحات آبي أحمد بشأن أهمية الوصول إلى البحر الأحمر وميناء عصب.

واتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي بيرانو جولا، في تصريحات نقلها تحليل مشروع التهديدات الحرجة، مصر والسودان بدعم جبهة تحرير شعب تيغراي وجماعات معارضة أخرى. كما اتهم إريتريا بتسهيل وصول دعم خارجي إلى هذه الجماعات. ولم تُقدَّم في هذه التصريحات أدلة علنية مستقلة تثبت حجم الدعم المصري أو طبيعته، فيما تنفي القاهرة دعم المتمردين الإثيوبيين.

وتصاعد التوتر الدبلوماسي بالفعل؛ إذ طردت إثيوبيا دبلوماسياً مصرياً في الأول من أكتوبر، وردت القاهرة بطرد دبلوماسي إثيوبي. ويشير ذلك إلى أن الخلاف لم يعد محصوراً في ملف مياه النيل، بل امتد إلى الاصطفافات الأمنية في القرن الإفريقي.

ما الذي قد يشعل حرباً إقليمية؟

هناك ثلاثة عوامل قد تدفع الأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة. أولها استمرار تقدم الجيش الإثيوبي شمالاً نحو المناطق القريبة من الحدود الإريترية، بما قد يدفع أسمرة إلى تعزيز قواتها أو تقديم دعم أكبر للقوات المناوئة للحكومة الإثيوبية. وثانيها تحول الضربات بالطائرات المسيّرة ضد القوات الإريترية إلى مواجهات متكررة ومعلنة بين الجيشين. أما العامل الثالث فهو توسع الاصطفاف الإقليمي، بحيث تتحول الخلافات بشأن البحر الأحمر وسد النهضة إلى دعم عسكري مباشر لأحد الطرفين.

وفي هذا السياق، قد تمنح العلاقات المصرية الإريترية أسمرة مساحة أكبر للمناورة السياسية واللوجستية، لكن حجم هذا الدعم وطبيعته سيحددان مدى تأثيره في ميزان القوى. وفي المقابل، قد تنظر إثيوبيا إلى أي وجود عسكري مصري متزايد في الموانئ القريبة منها باعتباره ضغطاً استراتيجياً إضافياً، حتى لو كان معلناً في إطار التعاون البحري.

وقد حذر الاتحاد الإفريقي في بيان صدر في الأول من أكتوبر من تصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، داعياً الدول الثلاث إلى ضبط النفس والحفاظ على قنوات الاتصال وتسوية خلافاتها عبر الحوار. ويعكس هذا الموقف مخاوف من اتساع الأزمة إلى ما وراء جبهة تيغراي.